به السن بحيث أنه يعجز عن الصيام، أو أن الصيام يضره، أو كانت المرأة حاملًا أو نحو ذلك، فهذا يرخص له في الفطر، أما إذا كان مجرد أنه يجوع، أو يحرم نفسه غداءه، أو نحو ذلك، فهذه مشقة غير معتبرة، هذا ضابط المشقات.
ولربما يحتج بعضهم أيضًا بأن الخلاف رحمة، ويحتجون بقول بعض السلف:"خلاف أمتي رحمة"، وبقول عمر بن عبد العزيز:"ما أحب أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا، إنهم لو لم يختلفوا لما كان توسعة لمن بعدهم"، فالمقصود بمثل هذه الأشياء أن الخلاف رحمة بمعنى أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لما اختلفوا كان ذلك مسوغًا لمن كان جاء بعدهم أن يجتهد، وأن يتلمس الأحكام، وأن يتعرف عليها، فهو قد يخطئ وقد يخالفه غيره، فلا يكون ذلك سببًا للحوق الحرج فيه، ولا يكون ذلك داخلًا في توعد الله -عز وجل- للمختلفين: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [ (105) سورة آل عمران] فلا يكون داخلًا بسبب هذه القضية؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- حصل منهم اجتهاد، وبالتالي حصل بينهم خلاف، فكان ذلك مسوغًا لمن جاء بعدهم من العلماء أن يجتهدوا، وأن يتعرفوا على الأحكام، وأن يحاولوا أن يقفوا عليها، ولو حصل خلاف بينهم، فإن الحرج لا يكون لاحقًا لهم، هذا معنى كون خلاف الأمة رحمة، وليس كما فهمه بعضهم.
ولهذا يقول الإمام إسماعيل القاضي المالكي من علماء القرن الثالث الهجري:"إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة لأن يقول بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا؛ ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا"، وقد علق الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- على قول الإمام إسماعيل القاضي -رحم الله الجميع- من علمائنا، علق عليه بأنه قول جيد جدًا.