الأمر الآخر: هو أن وجود الخلاف -كما سبق- لا يسوغ لك أن تأخذ بأي الأقوال شئت، يقول الخطيب البغدادي -رحمه الله-:"فإن قال قائل: فكيف تقول في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟"هذا إنسان عامي لا يستطيع أن يستخرج الأحكام من الكتاب والسنة، فهذا قال له: يجوز، وهذا قال له: لا يجوز، يقول:"نقول له -إن شاء الله-: هذا على وجهين، أحدهما: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم، وعن حججهم، فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان عقله يقصر عن هذا، وفهمه لا يكمل له، وسعه التقليد لأفضلهما عنده"، ويقول ابن عبد البر -رحمه الله-:"والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها، وذلك لا يعدم، فإذا استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا من الكتاب والسنة، فإذا لم يَبِن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإذا اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله -صلى الله عليه وسلم-، يعني استعمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ) ) [1] ."
(1) - أخرجه أحمد (4/ 227- 18028) والطبراني في الكبير (22/ 148- 403) وقال الألباني:"حسن لغيره"انظر صحيح الترغيب والترهيب (2/ 151- 1734) .