الصفحة 13 من 34

ضرورية، كعلم الإنسان، بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين، في آن واحد. وبأن الشيء، لا يكون موجودًا معدومًا وهذه علوم يجد الإنسان نفسه، عارفًا بها. ولا يدري، من أين حصل له ذلك !! أعني: لا يدري سببًا قريبًا، وإلا، فليس يخفى، أن الله، هو الذي خلقه وهداه إليه.

وإلى علوم مكتسبة، وهي المستفادة: بالتعلم، والاستدلال، والنظر.

وأما العلوم الشرعية، فهي المأخوذة عن الأنبياء، وذلك يحصل بالتعلم، لكتب الله المنزلة، مثل: التوراة، والإنجيل والزبور، والفرقان، وفهم معانيها، بعد السماع وبها يكمل العقل، ويسلم من الأمراض.

فالعلوم العقلية، غير كافية في السلامة، وإن كان محتاجًا إليها كما أن العقل، غير كاف، في استدامة صحة البدن، بل يحتاج الإنسان، إلى معرفة خواص الأدوية والعقاقير، بطرق التعلم، من الأطباء، إذ مجرد العقل، لا يصل إليه، ولكن لا يمكن فهمه، بعد سماعه، إلا بالعقل، فلا غنى بالعقل، عن العلوم الشرعية ولا غنى بها، عن العقل. الذي يدعوا الناس إلى التقليد المحض، مع عزل العقل، جاهل والمكتفي بمجرد العقل، عن العلوم الشعرية، مغرور فإياكم أن تكونوا من أحد الفريقين، وكونوا جامعين بينما. فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية، والشخص المريض يتضرر بالغذاء إذا فاته الدواء وقلوب الخلق كلها مرضى.

ولا علاج لها، إلا بالأدوية، التي ركبها الأنبياء. وهي وظائف العبادات. فمن اكتفى بالعلوم العقلية، تضرر بها كما يتضرر المريض بالغذاء كما وقع لبعض الناس، فإنهم قالوا: الإنسان، إذا حصل له المعقول وأثبت للعالم صانعًا وصل إلى الكمال المطلق. فتكون سعادته، على قدر علمه. وشقاوته على قدر جهله. وعقله، هو الذي يوصله إلى هذه السعادة.

وإياكم أن تظنوا، أن العلوم الشرعية مناقضة، ومنافرة للعلوم العقلية، بل كل شيء جاء عن الأنبياء، مما شرعوه للناس، لا يخالف العقول السليمة، نعم، يكون في شرائع الأنبياء، ما تستبعده العقول، لقصورها عنه، فإذا عرفت طريقه عرفت أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه: مثاله في شرع الإسلام: الذهب والفضة فإن الشرع يمنع من اختزانهما من غير إعطاء بعضها للفقراء والمساكين، ويمنع من اتخاذ الأواني للأكل والشرب منها. ويمنع من بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، بزيادة. فإذا قيل لإنسان: أعط بعضها للفقراء، وإلا تحرق بالنار، يقول: أنا تعبت وجمعتها، فكيف أعطيها من كان نائمًا مستريحًا هذا خارج عن العقل وإذا قيل له: لا تأكل ولا تشرب، في أواني الذهب والفضة، وإلا تحرق بالنار، يقول: أنا أتصرف في ملكي. ولا ينازعني فيه أحد فيكف أعاقب على التصرف في ملكي هذا خارج عن العقل!! وإذا قيل له: لا تبع الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، بزيادة. وإلا تحرق بالنار. يقول: أنا أبيع وأشتري، برضًا مني، ومن الذي أتعامل معه. ولولا البيع والشراء، لخربت الدنيا. وتعطلت المنافع، هذا شيء خارج عن العقل وكلامه هذه صحيح، فإن العقل، غير مدرج للعقاب، على هذه الأمور. فيحتاج العقل إلى التعريف فيقال له: الحكمة، التي خلق الله الذهب والفضة لأجلها، هي أن قوام الدنيا بهما. وهما حجران، لا منفعة في أعيانهما، إذ لا يردان حرًا، ولا بردًا، ولا يغذيان جسمًا.

والخلق - كلهم - محتاج إليهما، من حيث أن كل إنسان محتاج إلى أشياء كثيرة في مطعمه وملبسه. وقد لا يملك ما يحتاج إليه. ويملك ما يستغني عنه، كمن يملك القمح مثلًا، وهو محتاج إلى فرس. والذي يملك الفرس، قد يستغني عنه، ويحتاج إلى البر. فلا بد - بينهما - من معارضة. ولا بد من تقدير العوض إذ لا يعطى صاحب الفرس فرسه. بكل مقدار من البر، ولا مناسبة بين البر والفرس حتى يقال: يعطى منه، مثله في الوزن أو الصورة، فلا يدري، أن الفرس، كم يسوى بالبر؟ فتتعذر المعاملات، في هذا المثال، وأشباهه، فاحتاج الناس إلى متوسط، يحكم بينهم بالعدل، فخلق الله الذهب والفضة، حاكمين بين الناس، في جميع المعاملات، فيقال: هذا الفرس، يسوى مائة دينار. وهذا القدر من البر، يسوى مثله. وإنما كان التعديل بالذهب والفضة، لأنه، لا غرض في أعيانهما. وإنما خلقهما الله لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بالعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت