ونسبتهما إلى جميع الأموال، نسبة واحدة. فمن ملكهما، كأنه ملك كل شيء. ومن ملك فرنسا - مثلًا - فإنه لم يملك، إلا ذلك الفرس، فلو احتاج إلى طعام، ربما لم يرغب صحب الطعام في الفرس، لأن غرضه في ثوب مثلًا، فاحتيج إلى ما هو في صورته، كأنه ليس بشيء، وهو - في معناه - كأنه كل الأشياء والشيء، إنما يستوي نسبته، إلى الأشياء المختلفات، إذا لم تكن له صورة خاصة. كالمرآة، لا لون لها، وتحكى كل لون.
فكذلك الذهب والفضة، لا غرض فيهما، وهما وسيلتان إلى كل غرض. فكل من عمل فيهما عملًا، لا يليق بالحكمة الإلهية.
فإنه يعاقب بالنار، إن لم يقع السماح، فمن كنزهما، من غير أن يعطى منهما قدرًا مخصوصًا للفقراء، فقد أبطل الحكمة فيهما. وكان كمن حبس الحاكم، الذي بين الناس، ويقطع الخصومات، في سجنٍ، يمتنع عليه الحكم بسببه، لأنه إذا كنزهما، فقد ضيع الحكم: وما خلق الله الذهب والفضة، لزيد خاصة. ولا لعمرة خاصة. وإنما خلقهما، لتتداولهما الأيدي، ليكونا حاكمين بين الناس ولا شك، أن العقل، إذا عرف هذا الذي قلناه، حكم: بأن ادخار الذهب والفضة عن الناس، ظلم. واستحسن العقوبة عليه، لأن الله تعالى، لم يخلق أحدًا للضياع، ونما جعل عيش الفقراء على الأغنياء، ولكن الأغنياء، ظلموا الفقراء ومنعوهم حقهم، الذي جعله الله لهم.
وكذا نقول: من اتخذ من الذهب والفضة آنية للأكل والشرب، فهو ظالم وكان أشر من الذي كنزهما وادخرهما.
لأن مثال هذا مثال من جعل حاكم البلد، حجامًا أو درازًا، أو جزارًا.. من الأعمال، التي يقوم بها أخساء الناس لأن النحاس والرصاص والطين، تنوب مناب الذهب والفضة، في حفظ المأكولات والمشروبات، عن التبديد. وفائدة الأواني حفظ المائعات. ولا يكفي الطين والحديد والرصاص والنحاس في المقصود الذي يراد من الذهب والفضة. ولا شك، أن العقل إذا عرف هذا، لم يتوقف في استحسانه، واستحسان العقوبة عليه.
وكذا نقول: من باع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة بزيادة فقد، جعلهما مقصودين في ذاتهما للتجارة. وذلك خلاف الحكمة الإلهية لأن من عنده ثوب مثلًا، وليس عنده ذهب ولا فضة، وهو محتاج إلى طعام فقد لا يقدر أن يشتري الطعام بالثوب: فهو معذور في بيعه بالذهب أو الفضة، فيتوصل إلى مقصوده، فإنهما وسيلتان إلى الغير، لا غرض في أعيانهما فأما من عنده ذهب، فأراد بيعه بذهب، أو فضة، فأرد بيعها بفضة، فإنه يمنع من ذلك.. لأنه يبقى الذهب والفضة متقيدين محبوسين عنده. ويكون، بمنزلة الذي كنز. وتقييد الحاكم، أو الرسول الموصل الحاجات إلى الغير، ظلم. فلا معنى لبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إلا اتخاذهما مقصودين للادخار، فإذا عرف العقل هذا، حسنه، وحسن العقوبة عليه وإنما كان بيع الذهب بالفضة، والعكس، لا عقوبة عليه، لأن أحدهما، يخالف الأخر، في التوصل إلى قضاء الحاجات إذ يسهل التوصل بالفضة، من جهة كثرتها، فتتفرق في الحاجات، والمنع، تشويش للمقصود به. وهو تسهيل التوصل به إلى غيره. وكذا تقول: لمن يبيع الفضة أو الذهب بزيادة إلى أجل كمن يبيع عشرةً، بعشرين، إلى سنة إن مبنى الاجتماع، وأساس الأديان هو استعمال ما يوجب المحبة والألفة، فيحصل التناصر والتعاون. والإنسان، إذا كان محتاجًا، ووجد من يسلفه فلا شك، أنه يتقلد منة من أسلفه، ويعتقد محبته، ويرى أن نصرته وإعانته، أمر لازم له ففي منع بيع الذهب والفضة، بزيادة إلى أجل، إبقاء لمنفعة السلف التي هي من أجل المقاصد.
وهذا الذي ذكرناه، جزئية من كليات، تبين: أن الشرع لا يخالف العقل. وقس عليه: جميع ما أمرت به الأنبياء ونهت عنه، فجميع أقوال الأنبياء، لا تخالف العقول. ولكن فيها ما لا يهتدي العقل إليه، أولًا: فإذا هدي إليه، عرفه وأذعن له. وكما يطلع الطبيب الحاذق على أسرار في المعالجات، يستبعدها من لا يعرفها، فكذلك الأنبياء، فلا يصل العقل إلى علومهم، إلا بتعريفهم. ويلزم العاقل، التسليم لهم، بعد النظر في صدقهم فكم من شخص يصيبه مرض في إصبعه فيقتضي عقله، أن يطليه بالدواء. حتى ينبهه الطبيب الحاذق: أن علاجه، أن يطلي الكتف، من الجانب الآخر، من البدن، فيستبعد ذلك، غاية الاستبعاد، فإذا عرفه الطبيب، كيفيه إنشعاب الأعصاب ومنابتها، ووجه التفافها على البدن، أذعن.