فهرس الكتاب
للتناصح وبخاصة بين الزوجين دور كبير في الارتقاء بمستوى الأسرة، ورتق الفتوق الواقعة فيها، وإنارة درب السلامة من التردّي في الخطأ، بيد أن كثيرًا نما لأزواج يرى من غير الطبيعي أن تؤدي المرأة دورها في نصيحة زوجها، وأن من السائغ والمعتاد أن تكون من جانبه دونها، ويصل الظنّ بجملة منهم إلى أن قيامها بالنصيحة نوع من التطاول والعجرفة، وخدش لكرامة الرجل، وقوامة الزوج، وهذا خطأ ظاهر، وهدم لعش الزوجية وسعادة الأسرة.
جـ- الشورى:
بمعنى أن يكون التشاور وتداول الرأي قائمًا بين الزوجين فيما يتعلق بشئون البيت، وتدبير أمر الأسرة، ومصير الأولاد، وليس من الحكمة في شيء أن يستبد الرجل برأيه ولا يلتفت إلى مشورة امرأته، لا لشيء، إلا لأنها امرأة، ومشورتها قدح لقوامته عليها في نظره السقيم. فكم من امرأة أدلت برأي صار له أكبر الأثر في استقامة أمور وصلاح الأحوال، وخير من يقتدى به في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أن دخل على أم سلمة غاضبًا مما فعل أصحابه يوم الحديبية حيث أمرهم بالحلق والتحلل فكأنهم تحرجوا وتباطؤوا، فأشارت عليه أم سلمة أن يحلق هو حتى يحلقوا، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمشورتها، فما كان إلا أن بادروا إلى امتثال أمره عليه الصلاة والسلام.
د- صدق المودة بين الزوجين:
مما لا تتم السعادة الزوجية إلا به، تحبب كلٍّ من الزوجين إلى صاحبه وإظهار صدق المودة، وتراشق الكلمات الحنونة، فإن ذلك أحسن ما تستقيم به أحوال الزوجين، وأفضل ما تبنى عليه حياتهما، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع أزواجه - رضي الله عنهن - ولسنا بخير منه حتى نستنكف عما فعله، ولما امتدح الله حُورَ الجنة ذكر من جميل أوصافهن كونهن (عُرُبًا أَتْرَابًا) (الواقعة:37) . والعروب: هي المتحببة إلى أزواجها.
(1) - رواه البخاري 0فتح 4/209).
(2) - الحمو: أخو الزوج.
(3) - رواه مسلم (1437) .
والحياة الزوجية التي يُفقد من قاموسها الكلمات الطيبة الجميلة، والعبارات الدافئة حياة قد أَفَلَتْ أنجُم السعادة فيها.
ولا خيرَ في وُدِّ امرئٍ مُتلوِّنٍ ... إذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ تميلُ
وكم من حُسْنٍ في الخُلُق غطى عيبًا في الخَلْق.
خامسًًا: الواقعية في الحياة الزوجية
للواقعية نصيب وافر في رَفْرَفة أجنحة السعادة على عش الزوجية، ويمكن الحديث عنها عبر المجالات الآتية:
الواقعية في المهور وحفلات الزواج والهدايا:
إن إثقال كاهل الزوج بمهر باهظ وحفلة زفاف مجحفة لا يعود على الحياة الزوجية إلا بالنكد والهم والتعب، لذا لا بد أن يكون المهر وحفلة العُرس موائمة لحال الزوج مناسبة لوضعه المادي، لنضمن - بإذن الله - هدوء نفسه، وراحة باله، وطمأنينة قلبله، حتى يستقبل حياته الزوجية بانشراح ورغبة.
ومثل ذلك يُقال، فيما تعارف الناس عليه من الهدايا في الأعراس والمناسبات. إذ يجب أن يكن بقدر حال الزوج، وليس من مصلحة المرأة أن تلحّ وتطالب بما هو أغلى ثمنًا وأعلى قدرًا مما لا تسمح ظروف الزوج المادية به، وكثرة ذلك مؤذنة بغياب السعادة وأفول شمسها من عش الزوجية إن لم يصل الحد إلى أمر لا تحمد عقباه.
ب- الواقعية في النفقة:
إن من خير ما تحلّت به المرأة المسلمة من الصفات مع زوجها مراعاتها لطاقته وقدرته في النفقة، فلا إلحاح في حالة العسر، ولا شراهة في وقت اليسر، بل تلبس لكل حالة لَبُوسها، وترضى منه باليسير، وشرذث ما اتصفت به المرأة الشراهة وكثرة المطالب وهذا لا يزيدها من زوجها إلا بُعدًا، ولا من قلبه إلا بُغْضًا.
وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه شهرًا لما سألنه في النفقة، وأكثرن عليه فيها حتى أنزل الله سبحانه قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 28، 29) . فخَيَّرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترنه (1) .
وعلى الرجل أيضًا ألا يكون شحيحًا على أهله، مقتّرًا عليهم، بل ينفق عليهم من سعته ولا يكلف الله نفسًا إلى ما آتاها، (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق: 7) .
جـ- الواقعية في الصفات وتجنب المثالية:
وهذه الخصلة لا تكاد توجد إلا عند نزرٍ يسير من الناس ممن وفقهم الله، بينما غالبهم عندما يهمَُ بالزواج يرسم الزوجة في ذهنه رسمًا يتواءم مع طموحاته الوهمية البعيدة عن أرض الواقع. وكأنه يصور بيده تمثالًا لامرأة وهمية، مما حدا بأحد الأذكياء، عندما أخبره صاحبه بالصفات التي ينشدها في شريكة حياته، أن قال لمحدثه: إن المرأة التي تطلب موجودة، ولكن عليك أن تنتظر إلى أن نُبعث لأن امرأة بمثل ما تذكر لا توجد إلا في الجنة.
نعم إن الاعتدال في المطالب والصفات لا بد وأن يكون مركوزًا في ذهن كل من الزوجين، ويجلي ذلك بوضوح قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر" (2) .
وتلك هي سنة الله في خلقه ألا يجتمع الكمال في كل الصفات في عامة البشر، فقد تكون المرأة وسطًا في الجمال لكنها ذات دين وخلق عظيم.
ولو وقف نُشّاد الكمال مع أنفسهم وقفة تأمل ومحاسبة لوجدوا أنهم لم ينصفوا، إذ غالب ما يطلبونه قد لا يكون متوافرًا فيهم، فكما أنك تريد فغيرك يطلب منك ما تريد وإلا صار مصيرُك مصيرَ ذلك الرجل الذي ظل يطلب الزوجة المثالية في نظره ردهًا طويلًا من عمره فلما وجدها وتقدم لخطبتها، رفضته، لأنها لم تجد بُغْيتها فيه، فعاد بالخيبة والحرمان.
د- الواقعية في المطالبة بالحقوق وأداء الواجبات:
ليس من حسن العشرة أن يُكلّف الزوج امرأته شططًا، وينهكها في تحقيق حقوقه تعبًا، بل عليه أن يسلك هديًا قاصدًا، ويتغاضى عن بعض حقوقه في سبيل تحقيق المهم منها، إحسانًا للعشرة، وتخفيفًا على الزوجة.
وكذا حال المرأة مع زوجها لتستديم محبته، وتكسب ثقته ومودته.
والواقعية في هذا قد نبه عليها الشاعر بقوله:
فسامح ولا تستوف حقك كله ... وأبق فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وآخر يقول مبينًا ضرورة الواقعية في الصحبة:
سامحْ أخاك إذا خلَط ... منه الإصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يوما أو سقط
واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أو غمط
وأطعه إن عاص وهُنْ ... إن عز وادنُ إذا شحط
واعلم بأنك إن طلبت ... مهذبا رُمْت الشطط
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
سادسًا: معرفة كل من الزوجين نفسية صاحبه
(1) - رواه مسلم (1478) .
(2) - رواه مسلم (1469) .
وهذه إحدى القضايا التي لا تجد من كثير من الأزواج عناية مع أن دوام العشرة، وهناءة العيش لا تحصل على أتم وجوهها إلا عندما يدرك كل منهما نفسية صاحبه ومزاجه، وما يحبه ويكرهه، وما يرضيه ويسخطه، وما يقبله، ويرفضه، وهذه الأمور لا يتحتم إدراكها بالسؤال، بل يعرفها الفَطِن الذّكي من الحال والمقال.
وخير ما يستشهد به على هذا لبيان أثره على حياة الزوجين قصة شُريح القاضي، لما تزوج بامرأة من بني تميم، فيقول: لما دخلت عليها قمت أتوضأ، فتوضأت معي، وصليت فصلت معي، فلما انتهيت من الصلاة دعوت بأن تكون ناصية مباركة، وأن يعطيني الله من خيرها، ويكفيني شرّها، قال: فحَمِِدَت الله، وأثنت، ثم قالت: إنني امرأة غريبة عليك فماذا يعجبك فآتيه، وماذا تكره فأجتنبه، قال: فقلت: إني أحب كذا، وأكره كذا، فقالت: هل تحب أن يزورك أهلي. فقلت: إنني رجل قاضٍ، وأخاف أن أملَّهم، فقالت: من تحب أن يزورك من جيرانك، فأخبرتها بذلك.
قال شريح: فجلست مع هذه المرأة في أرغد عيش وأهنئه حتى حال الحول، إذ دخلت البيت فإذا بعجوز تأمر وتنهى، فسألتُ: من هذه؟ فقالت: إنها أمي. فسألته الأم: كيف أنت وزوجتك؟ فقال لها: خير زوجة، فقالت: ما حوت البيوت شرًّا من المدللة، فإذا رابك منها ريب فعليك بالسوط.
قال شريح: فكانت تأتينا مرة كل سنة، تنصح ابنتها، وتوصيها، ومكثتُ مع زوجتي عشرين عامًا، لم أغضب منها إلا مرة واحدة، وكنت لها ظالمًا (1) .
لذا فمعرفة كل من الزوجين لنفسية صاحبه قضية لها أثرها في الحياة الزوجية، وتجاهل هذا الأمر له ما بعده.
سابعًا: الأولاد
من المعلوم أن من أعظم مقاصد النكاح لب الولد، والإنجاب، وهذا المقصد يتعلق به حقوق ومستلزمات، لها أثر في السعادة الزوجية. نعرض في هذه العجالة لطرف منها، ونبين الموقف الأمثل تُجاهها. والله المستعان.
1-الإنجاب:
بعض الأزواج يطلب من زوجته التريث في الحمل باستعمال مانع له بعد الزواج مباشرة بحجة طلب المتعة، وهذا فيه ضرر بالغ على الزوجة، إذ من الثابت طبيًّا أن استعمال الحبوب المانعة للحمل من قبل امرأة لم يسبق لها الإنجاب قد يؤدي إلى عقم تحرم معه المرأة من الولد طيلة عمرها.
ومن الزوجات من تفضل الانتظار سنة أو أكثر بدعوى التأكد من توافقها مع زوجها، وهذا تشاؤم بحدوث المكروه:
احذر لسانك أن تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
وقسم من الزوجات ترفض الحمل؛ لأنه يعيقها عن مواصلة دراستها، مما يسبّب سآمةَ الزوج من رتابة حياته الزوجية معها، لخلوها من مولود يجدد سعادتهما، ويملأ عاطفة الأبوّة لديهما.
وبعضهن تستمرئ هذا الرفض حتى بعد الدراسة بحجة العمل، وهي حجة عليلة خالية المضمون، قد تحدث الفرقة بين الزوجين كما حدثني بذلك أحدهم عن زوجته التي امتنعت عن الحمل بحجة الدراسة، وبعد إتمام الدراسة رفضت الإنجاب بحجة العمل، ويرى الآن أنه لا حلّ للمشكلة إلا بالطلاق، مع أن المسلم مطالب بكثرة الإنجاب - مع عدم الضرر - لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة.
ب- تربية الأولاد:
غير خافٍ أن الناس يختلفون في طرائق التربية والتوجيه، وهكذا الحال مع الزوجين، فإنهما قد لا يتفقان على منهج واحد في التربية، بسبب اختلاف طبيعة الرجل عن المرأة. إلا أنه من المتفق عليه أن ثمة مجالات تختلف باختلاف سنّ الولد وطبيعته يكون رائد التربية فيها الأب، ومجالات أخرى يكون رائد التربية فيها الأم، فعلى كل من الزوجين احترام وتقدير مجال صاحبه، وعدم التعدي عليه فيه، مع التسليم بأن القِوامة للرجل، سُنّة الله التي قد حكم بين العباد، وهذا لا يعني - ألبتّة - أن يلجأ أحدهما إلى تخطئة الآخر أمام الأولاد، وتجريحه والنيل من كرامته، أو يختلف الأبوان في الأسلوب الأمثل لحل واقعة بين الأولاد بحضورهم، فإن ذلك يؤدي إلى جرح عميق في نفوسهم، يبقى أثره أبد الدهر، وأقل ما يحصل من ذلك عقوق الأولاد لأحدهما، واستهانتهم بالمهزوم منهما، ولعلكم تُدركون هذا جيدًا حينما تسمعون أن امرأة لها أربعة أبناء، كل منهم يملك سيارة خاصة، إلا أنها مع ذلك تستعمل النقل الجماعي وأحيانًا تستقدم سائقًا خاصًّا؛ لرفض أولادها خدمتها. ومن أسباب ذلك تصرف زوجها الذي كان يقوم بإهانتها أمام أولادها، حتى فقدت كل مقومات التأثير عليهم، فبدر منهم هذا العقوق لها.
وإذا كان للزوج ملحوظة على زوجته بشأن تربية الأولاد، فلا يبدي هذه الملاحظة أمام الأولاد، ولكن إذا انفرد بها قال لها ما شاء، ومثل ذلك الزوجة من باب أَوْلى.
ثامنًا: حُسن العلاقة مع الآخرين
(1) - القصة مذكورة بطولها في العقد الفريد 6/92.
ونعني بهم والديْ كلٍّ من الزوجين وأقاربهما، وكذا جيرانهما. فعلى كل من الزوجين أن يراعي حق صاحبه في والديه وأقاربه، وألا يذكر أحدًا منهم بسوء، فإن ذلك يوغر الصدور، ويجلب النفرة بين الزوجين، وكم من زوج تحدث أمام حليلته بمثالب أبيها وسقطاته - وهو مَن هو في جلالة قدره عندها - فأحدث ذلك ألمًا في قلبها أطفأ شمعة السعادة المضيئة في حياتها مع زوجها، وأشد من ذلك الحديث عن أمها.
وإذا كان هذا في حق الزوج وله القوامة، فما بالك بحديث الزوجة عن والدي زوجها بسوء.
ولسنا نلزم أحدًا منهما بمحبة أقارب الآخر، فالقلوب بيد الرحمن، يصرفها كيف يشاء، ولكنا نُحتِّم عليه أن يحفظ لصاحبه مشاعره، وكرامته وعرضه.
وأقارب كل من الزوجين يجب احترامهم وتقديرهم وعدم الإساءة إليهم. أما عن علاقة الزوجين بالجيران، فتختلف باختلاف الجيران، فينبغي عليهما تحديد إطار مسبق لعلاقتهما بهم.
تاسعًا: القدرة على حل المشكلات
ما من زوج ولا زوجة إلا ويريد أن يجعل من نفسه شخصًا قادرًا على حل المشكلات الزوجية، والتغلب عليها، ولذا سنطيل النظر فيها لأهميتها، وعظم خطرها. ويتم ذلك في نظري بمراعاة عدة أمور.
أ- التروي والحكمة:
عندما يمعن المرء النظر في الحياة الزوجية عند عامة الناس لا يكاد يجد بيتًا يسلم من مشكلة تخْبو نارها إلى وأخرى على إثرها يتأجج أُوارُها. وليس هذا غريبًا على طبائع البشر، حتى بيت النبوة لم يكن بمنأى عن تلك الخلافات لكنها حكمة الله تتجلى في وجودها، ليظهر للناس كيف يقف المصطفى صلى الله عليه وسلم منها، فتقتدي الأمة به، وتتأسى بهديه، ولو شاء الله لصفّى للمصطفى حياته من الكدر، ومشكلات البشر.
يروي أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بِصَحْفَةٍ فيها طعام، فضربت التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم. فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول:"غارَتْ أمُّكم"، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه (1) .
فانظر - رعاك الله - إلى هذه الأناة وتلك الحكمة من هادي البشرية في معالجة الخلافات، واحتواء المشكلة قبل أن تكبر وتتعاظم.
إن من أعظم ما يجب الاستمساك به عند اندلاع نار الفتنة في بيت الزوجية هو أن يطفئ المرء نارها بماء الأناة والحكمة وإلا فإن النار قد تزداد اشتعالًا فتُهْلِك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.
ولقد حدث لأحد الأزواج خلاف مع زوجته، أثار غضبها، وطلبت منه الطلاق بقوة وإلحاح، فأمرها أن تأتي بورقة وقلم ليكتب ما تريد، فجاءت بهما، فأشار عليها أن يؤجل الكتابة إلى الغد، فوافقت، فما أشرقت شمس غد حتى أشرق نور الوِفاق بينهما، بعد زوال سَوْرة الغضب، وحِدّة التّوَتّر وعلمت الزوجة أثر أناة زوجها في حل المشكلة وتلافيها.
ب- التكيف:
ونقصد به: حمل كل من الزوجين نفسه على التأقلم مع صاحبه ومراعاة اختلاف طبيعته، وطريقته في التعامل.
وهذه المسألة من أخطر المشكلات التي تواجه الزوجين في بداية الزواج، كما حدثني بذلك أحد المختصين، لأن كلًا منهما قد عاش في بيئة تختلف عن بيئة الآخر وعلى منهج مغاير، فهل ينتظر منهما أن يتوافقا في الأذواق والأمزجة والطبائع في غضون ليالٍ قليلة إن لم يحمل كلٌّ نفسه على التكيف مع صاحبه، خصوصًا في بدء حياتهما. وعندما ينعدم التكيف نسمع أن فلانًا طلق عروسه ليلة عرسه، وآخر فارقها بعد أسبوع، وأخرى طلبت الطلاق بعد شهر، وكان الأجدر بهؤلاء أن لو تريثوا وحملوا أنفسهم على الاختلاف الطارئ في التعامل.
جـ- ضبط اللسان:
حفظ اللسان من سيئ الكلام، وبذيء الحديث، والثرثرة أعظم مفتاح يمتلكه المرء لإغلاق باب المنازعات على نفسه، إذ لو تأمل العاقل في غالب منازعات الناس، فضلًا عن الزوجين، لوجدها من عثرات الألسن، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال لمعاذ - رضي الله عليه:"وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم" (2) .
نعم إن فلتات اللسان مقاتل الإنسان، وأماني الشيطان، وصدق من قال:
يُصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يُصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرة القول تُذهِبُ رأسه ... وعسرته بالرجل تبرأ على مهل
وآخر يقول:
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنّك إنه ثُعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءَهُ الشّجعان
وثالث يبيّن مدى السلامة في ترك الثرثرة:
الصمت زَيْنٌ والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
(1) - رواه البخاري (فتح 9/320) والصَّحْفَة: إناء يشبع الخمسة. والخادم: واحد الخَدَم يطلق على الذكر والأنثى.
(2) - رواه أحمد 5/231، 236، 237، والترمذي (2616) وقال: حديث حسن صحيح.
فلئن ندمت على سكوتك مرة ... فلتندمنّ على الكلام مرارا
ولذا فعلى كل من الزوجين حفظ لسانه وبخاصة عند حدوث المشكلات وارتفاع سَوْرَة الغضب، فمنه كلمة ومنها أخرى حتى يقع المحذور.
د- عدم نقل المشكلات خارج البيت:
إن نقل المشكلة خارج نطاق البيت يعني بقاءها، وازدياد اشتعال نارها، وخصوصًا إذا نقلت إلى أهل أحد الزوجين، لأنهم لا يدركون أبعاد المشكلة وأسبابها، وغالبًا ما يسمعون القضية من طرف واحد، هو خصم، والخصم لا يسمع كلامه إلا بحضور خصمه، فيحكمون حكمًا جائرًا أعور، وقد تأخذهم الحمية لإنقاذ ابنهم أو ابنتهم، فيُضْرمون نار العداوة والبغضاء بين الزوجين إضرامًا يذهب بالبقية الباقية من أواصر المحبة بينهما.
وغالب ما يحدث من منازعات بين الزوجين إنما هي أمور طفيفة لأسباب تافهة، تقوم لسوء مزاج أحدهما في وقت معين أو نحو ذلك، ثم تُصور للآخرين بألفاظ أضخم من حقيقة المشكلة فيظن السامع لها الذي لم يعايشها أنها كبيرة ومستعصية، فتأتي على إثر ذلك حلول شوهاء، يذهب ضحيتها الزوجان. ولذلك كان من المستحسن أن يتواصى الزوجان، ويتعاهدا على عدم نقل مشاكلاتهما خارج عشّ الزوجية، وأن يحرصا كل الحرص على ألا تبيت المشكلة معهما ليلة واحدة.
إن عضّك الدّهر فكن صابرًا ... على الذي نالك من عضّته
أو مسك الضر فلا تشتك ... إلا لمن تطمعُ في رحمته
هـ- استشارة ذوي العقول وأهل الاختصاص (1) :
إن التشاور مع ذوي الشأن وأرباب الحِجى عامل مهمّ في كل ما يحدث من خلاف بين الزوجين، ذلك لأن غيرك يعرف من الحلول ما لا تعرفه، وقد يكون ممن وقع في حَدَثٍ مماثل فَوُفِّق للحل المناسب. وعادة ما يصاب المرء حين المشكلة بضيق في الرأي، وتعكير على صفو التفكير، يحتاج معه إلى الاستناد إلى آراء الآخرين، للخلاص مما هو واقع فيه.
وأعرف شابًّا وقع في بيته حدث كاد يُودِي بالحياة الزوجية إلى أمر محزن، لولا أن الله وفقه لاستشارة صاحب رأي من إخوانه، فطمأنه إلى أنه لا مشكلة فيما حدث، إن عمل بمشورته بإذن الله، وفعلًا انقلبت المشكلة إلى سعادة ورضا، وصارت الزوجة تخجل من نفسها إذا تذكرت ما حصل منها، وحمد الزوج ربّه على الأناة، وضبط اللسان، واستشارة ذوي الشأن.
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (النساء:35) .
و- الرضا بالقضاء والقدر
إن من أعظم ثمرات الإيمان بقدر الله وقضائه، الاطمئنان إلى عدل الله وحكمته، فإن أمر المؤمن كلَّه له خير، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابه ضراء صبر فكان خيرًا له، والصبر على مُرِّ القضاء دليل على قوة الإيمان وهو ابتلاء من الرحمن لعبده، أيقابله بالشكر والرضا، أم بالكفر، والسخط بما قدره الله تعالى، والاعتراض على حكمته وتدبيره.
وليعلم الزوجان أن رضاهما بما قدر عليهما كعدم الإنجاب، أو ضعف الولد أو تشويهه أو نحو ذلك من أسباب المشكلات، واحتسابهما الأجر عند ربهما وصبرهما على بليتهما خيرٌ لهما في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا سعادةٌ وانشراحُ صدرٍ. وفي الآخرة جنة، ورضوان من الله أكبر.
وإنه لينقضي عجبك من قوم تسمع عن أحدهم أنه هدد امرأته بالطلاق، لأنها تنجب البنات. وكأنه لا يدري أن أمر الولد ليس موكولًا إليها، ولا إلى أحد من المخلوقين، بل هو تقدير العزيز العليم (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) (الشورى: الآيتان 49،50) . وكأنه أدرى بالحكمة وأعرف بالمصلحة من ربه - جل وعلا -، وهذا التصرف دليل على ضعف الإيمان، وقلة اليقين.
وقد روت كتب الأخبار أن رجلًا سخط على امرأته وهجرها لأنها مئناثٌ لا تَلِدُ إلا البنات، وتزوج من أخرى، فأنشأت أبياتًا تقولها وهي ترقص إحدى بُنياتها وتبين أنه لا مجال للسخط عليها:
مال أبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان أنا لا نلد البنينا ... تالله ما ذاك في أيدينا
وإنما نحن كالأرض لزارعينا ... ننبت ما زرعوه فينا
فأدرك الزوج خطأه، وعاد إلى زوجته، وعاشرها بالحسنى.
وقد يبتلى بعض الرجال بزوجة دميمة، فعليه أن يصبر على ما ابتلي به (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: من الآية19) . وعليه ألا يُعَيّر المرأة بدمامتها، وهو أمرٌ ليس من تقدريها وخلقها، وقد يؤدي مثل هذا التعيير والتنقص إلى إثارة المرأة ومحاولتها الانتقام من زوجها، كما نشرت جريدة الرياض قصة امرأة مصرية، قتلت زوجها، وقطعته عدة قطع، لأنه كان يعيرها بقبحها، ويهددها بالزواج عليها.
(1) - هذا لا يتعارض مع الذي قبله فليتأمل.
ومثل ذلك إذا أنجبت المرأة أولادًا معوقين، فعليه بالرضا بالقضاء والقدر، ولعل الله أراد به خيرًا، وإذا أحب الله عبدًا ابتلاه، وعليه بفعل ما يشرع من الأسباب لتلافي مثل ذلك، وقل مثل هذا إذا أصيب أحد الزوجين بمرض أو عاهة فعلى الآخر الرضا والصبر والاحتساب، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وعلى الزوجة أن تصبر إذا افتقر زوجها بعد غنى، أو ابتلي بمصيبة من مصائب الدنيا كالسّجن والتغرب وغيرها (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: من الآية7) .
عاشرًا: أمور متفرقة
بقيت أمور مهمة، الحديث عنها، وإبداء الرأي فيها جزء من مقومات السعادة الزوجية، أفردتها لأهميتها في الحياة الزوجية، وهي كالتالي:
1-عمل المرأة:
مما يُحدث إشكالات في حالات كثيرة بين الأزواج، قضية عمل المرأة، والأمر فيها بيّن واضح: