فهرس الكتاب
فيه، في نظر الأطباء والثقات المتخصصين، ومع هذا يصر أهله وذووه على أن يظل تحت أجهزة الإنعاش، التي توفر له الغذاء والتنفس واستمرار عمل الدورة الدموية، وقد يدوم على هذا الحال شهورًا أو سنين، وهم ينفقون عليه بسخاء، ويتجشمون البقاء من حوله، ولو بالتناوب، ويظنون بذلك أنهم يراعون مريضهم ولا يهملونه.
والحق الصراح في ذلك أن ذلك الراقد على سريره لم يعد في عالم المرضى، بل هو في الواقع في عالم الأموات، منذ تحقق موت دماغه بالكلية.
وبهذا يكون الاستمرار في علاجه بطريق أجهزة الإنعاش ضربًا من العبث، وإضاعة الجهد والمال والوقت في غير طائل، وهو ينافى ما جاء به الإسلام.
ولو فقه أهل المريض دينهم حقًا، ووعوا حقيقة الأمر وعيًا جيدًا، لأيقنوا أن الأولى بهم والأكرم لميتهم - الذي يعدونه مريضًا - أن توقف عنه الأجهزة الصناعية، وعندئذ ستتوقف تلك المضخة التي تمد عروقه بالدم، ويرى الجميع أنه ميت حقًا.
وحينئذ يوفر أهل المريض جهدهم ومالهم ويوفرون سريرًا لمريض آخر، محتاج إليه، وأجهزة الإنعاش هي في العادة محدودة قليلة العدد، ليستفيد منها مريض حي بالفعل.
إن هذا الذي أقوله لم يعد رأيًا خاصًا لي، بل هو قرار اتخذه المجمع الفقهي الإسلامي العالمي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والذي درس هذا الموضوع دراسة مستفيضة في دورتين من دوراته، وقدم فيه عدد من البحوث من الفقهاء والأطباء المعنيين، وبعد البحث والمناقشة أصدر المجمع قراره التاريخي في دورته التي عقدت في مدينة عمان بالأردن من 8 - 13 صفر 1407 هـ / 11- 16 أكتوبر 1986 م، بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع"أجهزة الإنعاش"واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين.
قرر ما يلي:
يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات وتترتب عليه جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:
1 -إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًا، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.
2 -إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيًا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل وفى هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب لا يزال يعمل آليًا بفعل الأجهزة المركبة
والله أعلم !!
وترتب على هذا القرار جملة أحكام شرعية، منها:
أولا: جواز رفع أجهزة الإنعاش والتنفس عن هذا الشخص ؛ لعدم جدوى بقائها.
بل أقول: يجب رفع هذه الأجهزة أو إيقافها ؛ لأن إبقاءها يخالف الشريعة في أمور عدة، منها:
تأخير تجهيز الميت ودفنه بلا ضرورة، وتقسيم تركته، ودخول زوجته في العدة، إلى غير ذلك مما يترتب على الحكم بالوفاة.