فهرس الكتاب
وأمّا طبيعة الحكم باعتباره المفقود ميّتًا , فللفقهاء فيه خلاف , فهو منشئ للحالة الجديدة الّتي أصبح عليها المفقود عند من قال بوجوب صدور الحكم , وهو مظهر عند من قال بعدم وجوب الحكم .
« ر: ف 6 » .
ولهذا الخلاف نتائج مهمّة جدًا , فعلى القول بأنّ الحكم منشئ لا تستطيع الزّوجة أن تبدأ عدّة الوفاة , ولا أن تتزوّج إلا بعد صدوره .
وكذلك فإنّ أموال المفقود لا توزّع إلا بين الورثة الموجودين يوم صدور الحكم لا قبله , كأن المفقود قد مات حقيقةً في اليوم المذكور .
وأمّا من قال بأنّ الحكم مظهر , فإنّ عدّة الزّوجة تبدأ من تاريخ انتهاء مدّة التّربص , أو من بلوغ المفقود السّنّ الّتي لا يمكن أن يحيا بعدها , وأنّ ميراث المفقود يقسّم بين ورثته الأحياء في ذلك التّاريخ , ولا عبرة لصدور الحكم .
«أثر ظهور المفقود بعد الحكم بموته»
إن ظهر المفقود حيًا بعد الحكم باعتباره ميّتًا , فإنّ لذلك آثارًا بالنّسبة لزوجته , وبالنّسبة لأمواله .
«أوّلًا: بالنّسبة لزوجته»
25 -للفقهاء في هذه المسألة خلاف:
ذهب الحنفيّة إلى أنّ المفقود إن عاد ولم تكن زوجته قد تزوّجت فهو أحق بها , فإن تزوّجت فلا سبيل له عليها , وفي قولٍ آخر: إنّ زوجته له .
وعند المالكيّة أنّ المفقود إن عاد قبل نكاح زوجته غيره , فهي زوجته , وهذا هو القول المشهور المعمول به , فإن عاد بعد النّكاح , فعن مالكٍ في ذلك روايتان:
الأولى: إن عاد قبل الدخول , فهو أحق بها , ويفرّق بينها وبين زوجها الثّاني , وأمّا إن عاد بعد الدخول , فالثّاني على نكاحه , ولا يفرّق بينه , وبين زوجته .
الثّانية: إن عاد المفقود , فوجد زوجته قد تزوّجت فلا سبيل له عليها , ولو لم يكن دخول . وقد أخذ بكلّ من الرّوايتين طائفة من المالكيّة , وقال ابن القاسم , وأشهب بأنّ أقوى القولين ما جاء في الرّواية الثّانية وهي مذكورة في الموطّأ .
وقول الشّافعيّة يختلف بين القديم والجديد: ففي القول القديم: إن قدم المفقود بعد زواج امرأته , ففي عودتها إليه قولان , وقيل يخيّر الأوّل بين أخذها من الثّاني , وتركها له وأخذ مهر المثل منه .
وفي القول الجديد: هي باقية على نكاح المفقود , فإن تزوّجت غيره فنكاحها باطل , تعود للأوّل بعد انتهاء عدّتها من الثّاني .
وذهب الحنابلة إلى أنّ المفقود إن قدم قبل أن تتزوّج امرأته , فهي على عصمته .