الصفحة 190 من 917

بتأويل صحيح، وحينئذ فإذا جاءنا لفظ من ألفاظ الشارع فالأصل أن نفهمه على وفق المعنى الظاهر الذي يفهمه العرب وعلماء الشريعة، ولا يجوز لنا أن نعدل عن هذا المعنى الظاهر إلى معنى آخر إلا بدليل يدل على أن هذا المعنى الظاهر غير مراد.

* قوله: ولا يعدل عنه إلا بتأويل: يعني لا يترك المعنى الظاهر الراجح إلى المعنى المرجوح، ولا يجوز ذلك ويكون من المحرمات لأن العرب تتكلم وتريد المعنى المتبادر من كلامها والقرآن قد نزل بلغة العرب، إلا إذا كان هناك تأويل صحيح.

فقول المؤلف: إلا بتأويل: هذا محل نظر لأن التأويل ينقسم إلى قسمين:

وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِدَلِيلٍ يَصِيرُ بِهِ الْمَرْجُوحُ رَاجِحًا.

الأول: تأويل صحيح.

الثاني: تأويل فاسد.

ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بتأويل صحيح وليس بأي تأويل. نمثل لهذا بمثال: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98] ظاهر هذه الآية أن القراءة تكون أولًا ثم بعد ذلك تكون الاستعاذة لأن الأصل في الفاء أن تكون للتعقيب، لكنها في بعض المرات تأتي الفاء ولا يراد بها التعقيب وإنما يراد بها مجرد الجمع فتكون بمعنى الواو، وحينئذ فللفاء معنيان: التعقيب، ومجرد الجمع، كلاهما قد يدل عليه حرف الفاء وأحدهما أرجح من الآخر وهو معنى التعقيب فالأصل أن يحمل هذا اللفظ على التعقيب بحيث تكون القراءة أولًا ثم يعقبها الاستعاذة من الشيطان، لكن جاءنا دليل يدل على أن المراد ليس المعنى الراجح وإنما المعنى المرجوح وهو مجرد الجمع. والدليل على ذلك هو: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بعد أن يستعيذ) [1] فدل ذلك على أن الاستعاذة تكون قبل القراءة فحينئذ تركنا ظاهر الآية لورود دليل يدل على أن الظاهر غير مراد، وأن المراد هو الاحتمال المرجوح.

ما هو التأويل؟

قال: هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحًا.

وهذا التأويل على نوعين:

الأول: تأويل صحيح وهو ما كان مستندًا إلى دليل, كما في المثال السابق.

الثاني: تأويل غير صحيح وهو الذي لم يرد دليل يدل على صحته ومن أمثلة ذلك تأويلات المبتدعة في النصوص المتعلقة بالصفات، ومثل تأويل بعض المبتدعة في بعض نصوص الوعيد، أو في بعض النصوص المتعلقة بأمور الآخرة مثل الشفاعة ومثل تأويلهم قول الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] لأن بعضهم قال: المراد به أنه جرحه بجروح الحكمة، فهذا المعنى معنى بعيد لم يرد دليل يدل على ترك المعنى الراجح من أجله؛ فحينئذ نقول: هذا التأويل غير مقبول لأنه ليس معه دليل، وبالتالي يكون تأويلًا فاسدًا.

فقوله: يصير به المرجوح: يعني الاحتمال المرجوح والمعنى المرجوح يصبح بسبب دليل التأويل راجحًا فإن الفاء كما في المثال السابق في الأصل للتعقيب وقد يراد بها مجرد الجمع لكنه مرجوح لكن لما وجد الدليل من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - انتقلنا حينئذ إلى الاحتمال الراجح فأصبح مرجوحًا.

نمثل بمثال آخر: قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:282] . الأصل في أفعال الأوامر أن تحمل على الوجوب، هذا هو الاحتمال

(1) أخرجه أبو داود (775) والترمذي (242) وأحمد (3/ 50) وابن خزيمة (472) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت