فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 483

تقف المسرحية على خلفية واقعية حول واقعية حدثت بالفعل ففي عام 1972 وخلال دورة الألعاب الأولمبية التي انعقدت في ميونخ- ألمانيا- قام بعض المجاهدين الفلسطينيين باحتجاز عدد من اللاعبين اليهود المشاركين بتلك الدورة. مطالبين بإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين في سجون اليهود. ولما لم تستجب عصابات اليهود للطلب نفذ المجاهدون تهديدهم وأعدموا بعض اللاعبين اليهود. وسلَّموا أنفسهم للسلطات الألمانية التي حاكمتهم.

هذا هو ملخص الخبر الذي حوله يوسف جاد الحق إلى خلفية درامية لمسرحيته.

سيتبادر إلى الذهن أن يقوم الكاتب بتأليف نص مسرحي تسجيلي أو توثيقي، له من التاريخ نصيبه الأوفى ومن الفن نصيب قليل. أو من الإبداع نَزْرُهُ اليسير.

ليشبه عمله عمل المؤرخ أو المؤرخ الفنان في أفضل الحالات. فهل هذا ما صنعه يوسف جاد الحق؟ أم أنه فطن لحالة التبسيط التوثيقي أو التسجيلي. فنقل الخبز من وثائقية التأريخ وسجلات الأحداث الغابرة إلى رؤيا الفنان الخبير بتمزيق الحدث وإبداعه ليرتقي إلى أفق الفن؟

لجأ يوسف منذ البدء إلى عملية الخداع الفني التي نراها إحدى أهم حالات الإقناع. حيث زَجَّ بنا في قاعة إحدى المحاكم في مدينة ميونخ. ورسم شكلًا مقنعًا لمحكمة ألمانية بقضاتها الكهول، وأوقف المجاهدين الفلسطينيين الأربعة الذين نفذوا العملية. في مواجهتهم.

وإذا ما خيل إلى المشاهد والقارئ أنه يسمع ويرى محاكمة حقيقية. يتسلل يوسف جاد الحق ليزج تاريخ القضية الفلسطينية بين القضاة والمتهمين. ثم يرفع ستائر ذاكرته التاريخية والفنية ليكشف للعالم فصول المأساة منذ بدء تكوين الجريمة العالمية لسحب فلسطين من تحت أقدام أهلها... حتى تكوين الغدة السرطانية التي أطلق عليها اسم: الدولة العبرية، أو إسرائيل، أو أرض الميعاد. أو ماشئت من صفات التزوير والتضليل في هذا العصر الخائن.

وأحس المؤلف اإفادة بدرجة متقدمة من تقنيات التوصيل المعاصرة. عندما كان ينقل الحدث عبر العين السينمائية من قاعة المحكمة في ميونخ إلى إحدى قرى أو ساحات فلسطين ليطلعنا على فصول من جريمة الكارثة الاستيطانية... وما يفعله اليهود بالأرض وأصحابها. كل هذا يتم عبر سير الأحداث بتتابع مقنع وإيحاء جميل. بدون فجوات ولا تقطع ولا افتعال ولا اجتراح خيالي يبعد المتلقي عن الرؤية التاريخية لحدوث الفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت