وما كان يلجأ إلى هذه النقلات التي تتم بسرعة البرق التي هي سرعة النقلات السينمائية والتلفزيونية من حال إلى حال. إلا في حالة الضرورة إليها والتي تشبع المتلقي إقناعًا. ولعل الأهم الأهم في هذه المسرحية هو قدرة مؤلفها على تماهي الرأي العالمي الجائر لقضية فلسطين. وشرح وجهة النظر الغربية المتردية في مهاوي الضلال اليهودي بصورة تكاد تصدقها إنها مخاطبة العقل الغربي بلغته بالذات. وهذا ما رفع النص من حدود الانحياز الوطني والقومي إلى مجالات الشمولية العالمية. حتى كأننا أمام حوار بين الرؤية العربية والرؤية الغربية الجائرة للقضية الفلسطينية.
ومنذ أوائل فقرات الحوار. حيث يسأل القاضي الألماني أحد المتهمين. كيف وصل إلى ميونخ؟... ويسمع الإجابة ويلح على السؤال:
القاضي…: كم من الزمن استغرقت الرحلة؟
نضال…: استغرقت الرحلة عمري كله.
القاضي…: هل تسخر منا أيها السيد؟
القاضي…: أبدًا. هذه هي الحقيقة... وإن شئت الدقة فهي ربع قرن من الزمان.
القاضي…: لو كنت سلحفاة لوصلت في ربع هذه المدة .
نضال…: ما ذنبي إذا كنتم تصرون على ألا تعرفوا الحقيقة؟
القاضي…: مادمت حريصًا على قول الحقيقة. قل لنا:
…من هم بقية أفراد العصابة؟
نضال…: هم مناضلون وليسوا عصابة
حوار متلاحق مكتوب بأقصى درجات التوتر بلا تفكك. وكأن المتحاورين يركضون باتجاه تصعيد الحدث. ومنذ البدء كما قلت تمكن المؤلف من فرد أوراق القضية أمام العالم. فالمناضلون الأربعة منذ أول إجابة لأولهم.
كانوا مصرِّين على ربط النتائج بالمقدمات. وأن ما فعلوه ليس منفصلًا عن معاناة ربع قرن هو عمر احتلال فلسطين. وأصروا على توصيل الجرح إلى المحكمة. بل تمكنوا من محاكمة العالم الذي تجاهل وجودهم كشعب. لإرضاء نزوات الحقد الصليبي الذي تفجر بعملية الاستيطان اليهودي في فلسطين.
ومع تصاعد الحدث عبر الحوار، تتحول المحاكمة إلى ضدها. وبدلًا من أن نرى القضاة يحاكمون الفدائيين، نرى الفدائيين يحاكمون القضاة الذين مثلوا عدالة العصر ورؤية العالم لينقلب السحر على الساحر.
وأمام اتهام المحكمة الذي يفجره القضاة بوجود الشباب الأربعة... يعيدنا الشباب الأربعة إلى الخلف خطفًا بتكثيف الزمن لنرى الدوافع الأولى التي زودتهم بالغضب والحقد. ليتحولوا إلى مناضلين. بل يدفعوننا للتعاطف معهم كآدميين حرمهم الاحتلال من ممارسة أبسط ألوان العيش في ظلال بيوتهم في فلسطين.