وبعد ذلك بصحبة أبيه في الجبل. وكان يعرف اللغة. وهي معطى اجتماعي، والمفتاح الأهم لكل تقدّم. وعلمه أبوه كثيرًا من المهارات كالصيد وركوب الحصان، وكان يعرف أسماء الأشياء والحيوانات والنجوم؛ فلم تساوره دهشة إزاءها؛ ولم يتعيّن عليه أن يعيد اكتشافها، فقد كان مغمورًا بها من كل جانب وبإفراط وفوق ذلك، نقل إليه أبوه إرثًا اجتماعيًا ثقيلًا هو علاقة الرجل بالمرأة من جانبها السلبي. وأهم من ذلك كله، ما سكت عنه هذا الأب. وما كان ينقص بابلو سوى شيء من الصقل والتهذيب والتعليم حتى يدخل دائرة الحياة الاجتماعية. أمثال هذا الإنسان (المعزول) يعثر عليه في كل آن، في رؤوس الجبال، وفي جوف الصحارى، وقصة علي بن الجهم ليست بعيدة عن هذا الإطار. فالأساس الافتراضي لكاسونا يختلف عن الافتراضات الأخرى.
كان هدف مؤلفي حي بن يقظان، وأندرينيو إثارة تساؤلات فلسفية عقلية منطقية وصولًا إلى أن وراء هذه الصنعة المتعددة، صانعًا واحدًا خالقًا حسب المفهوم الإسلامي أو محركًا أول حسب المفهوم الأرسطي. كاسونا لم يثر أي تساؤل من هذا النوع. أدرك بابلو وهو في الغابة معنى الموت و"لمس"وجود الله بتجربة ذاتية بسيطة، أو بنوع من الحدس أقرب ما يكون إلى التجربة الصوفية. وهذه سمة من سمات التصوف الإسباني عمومًا والتصوف الإسلامي في مراحله المبكرة قبل أن يتحول إلى نظام معرفي. فالأساس المعرفي عند كاسونا يختلف عن سابقيه.
أما القوة الأخرى من القوى الثلاث المتعالية في الحياة، وهي الحب، فلم يستطع بابلو إدراك معناها في الغابة، وإن كان يلمح ظلالها البعيدة ورموزها الوحشيّة الغريزية وقت هياج الحيوانات في الربيع. أما الحب كعلاقة تتجاوز الانفعال إلى العاطفة، والغريزة وإلى ما هو إنساني، تتطلّب طرفًا آخر لا يتوفر إلا في وسط اجتماعي مهما كان صغيرًا أو مهما كان حظه من التحضرّ. فانهزام الحب، أو الحب المهزوم، الذي دفع بوالد بابلو إلى الفرار بابنه إلى أحضان العزلة في الجبل والغابة، ليس مبرّرًا لإدارة ظهرنا إلى الآخرينن فهناك وجه آخر للحب يقوم على الأريحية والعطاء، وهو جدير بأن نبحث عنه، وسنعثر عليه ولو تلطخ ببعض غبار الأرض.