والآخرة، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] . وهذا عامّة ما تسلط الجن -إما بأنفسها وإما بإرسال بعض الإنس- على أهل الكفر والفسوق، ومن يكون ناقصًا في عقله ودينه. كما أن شياطين الإنس وفساقهم إنما يتسلطون على الرجل فيضرّونه في دينه ودنياه بحسب ضعفه وعجزه عنهم، فمن كان أنقص عقلًا ودينًا كان إفسادهم لعقله ودينه أهون عليهم، ومن كان أعجز عن دفعهم عن نفسه وماله كان تسلطهم على نفسه وماله أهون عليهم، فهكذا الجن. ومن له خبرة بشيء من هذا الباب فعنده من هذه الأمور ما يعرف به تحقيق ما قلناه.
وتمام هذا: أن تعلم أن الأمور المشروعة -واجبها ومستحبها- يزيد العبد إيمانًا وقوة في عقله وقلبه وعلمه ودينه وخُلُقه، وبالعكس به الأمور المحرمة، كما يروى عن ابن عباس أنه قال: إن للحسنة لضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق [1] . وهؤلاء /190ب/ المعزّمون معاقبون بهذه الأمور؛ من ظُلْمَة القلوب، وسواد الوجوه، ووهن الأبدان، ونقص الأرزاق، والبغضة في قلوب الخلق، حتى إن الذين يقضون حوائجهم من إبراء مصروعهم وإخبارهم بالشخص الغائب والمال المسروق تجدهم مع هذا يمقتونهم ويبغضونهم، كما يبغض الناس من يعيبهم شهادة الزور والدلالة على الفاحشة أو نحو ذلك. فإن الله
(1) لم أجده من قول ابن عباس رضي الله عنهما، ولكن للحسن البصري كلام نحوه فقال: العمل بالحسنة نور في القلب وقوة في البدن، والعمل بالسيئة ظلمة في القلب، ووهن في البدن. رواه ابن أبي الدنيا في التوبة (193) (197) .