الصفحة 137 من 275

موافين لهلال ذي الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فقال:"دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج، قالت: ففعلت فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم" [1] وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة، وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة جاء ذلك في صحيح مسلم مصرحا به فقال حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع حدثنا هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها فذكرت الحديث وفي آخره قال عروة في ذلك إنه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة. 263

84.قال أبو محمد ـ ابن حزم ـ: (إن كان وكيع جعل هذا الكلام ـ أي ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة ـ لهشام فابن نمير وعبدة أدخلاه في كلام عائشة وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام لأنه سمع هشاما يقوله وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته فقد يروي المرء حديثا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة صدقا لعدالتهما وإذا أضافه وكيع إلى هشام صدق أيضا لعدالته وكل صحيح وتكون عائشة قالته وهشام قاله) . قلت: هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث كفقه الأئمة النقاد أطباء علله وأهل العناية بها وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصيارف النقاد الذين يميزون بين الجيد والرديء ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام قالت: عائشة، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجا يحتمل أن يكون من كلامهما أو من كلام عروة أو من هشام فجاء وكيع ففصل وميز، ومن فصل وميز فقد حفظ واتقن ما أطلقه غيره، نعم لو قال ابن نمير وعبدة: قالت عائشة، وقال وكيع: قال هشام، لساغ ما قال أبو محمد، وكان موضع نظر وترجيح. 264

85.قول عائشة رضي الله عنها: (طيبت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحل) [2] دليل على أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور. 270

86.أفاض ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى مكة قبل الظهر راكبا فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو طواف الصدر ولم يطف غيره ولم يسع معه هذا هو الصواب. 270

87.أتى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال:"لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم" [3] فقيل هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائما وقيل بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى وقيل بل للحاجة وهذا أظهر. 278

88.قال ابن حزم: (وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها [4] من وراء الناس وهي شاكية استأذنت النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في ذلك اليوم فأذن لها) واحتج عليه بما رواه مسلم في صحيحه من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت شكوت إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ"والطور وكتاب مسطور"ولا يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس وقد بين أبو محمد غلط من قال إنه أخره إلى الليل فأصاب في ذلك، وقد صح من حديث عائشة أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أرسل بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت فكيف يلتئم هذا مع طوافها يوم النحر وراء الناس ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى جانب البيت يصلي ويقرأ في صلاته"والطور وكتاب مسطور" [5] هذا من المحال فإن هذه الصلاة والقراءة

(1) مسلم (1211)

(2) البخاري (5922) ومسلم (1198)

(3) مسلم (1218)

(4) البخاري (1619) ومسلم (1276)

(5) البخاري (1619) ومسلم (1276)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت