أيضًا قالوا:"إن المحتسب يلزمه الصبر والحلم بالإضافة إلى بقية الأخلاق الحسنة"والواقع أن تأكيد الفقهاء -رحمهم الله- على الصبر والحلم له ما يبرره؛ لأن الغالب لحوق الأذى والمضايقات للمحتسب، فإن لم يكن صبورًا حليمًا كان ضرره أكبر من نفعه، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه، وفاتَه ما كان مرجوًا من احتسابه؛ ولذلك معروف ومعلوم أن الإيذاء قرين المحتسب والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والداعية، والمجاهد، فلا بد من الصبر؛ ولذلك جاء في وصية لقمان لابنه كما في سورة لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} عقّبه بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد أن يكون هناك أذى، إذن لا بد أن تصبر على ما أصابك.
وسورة العصر: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} الحق فيه مرارة، فيه أمر بمعروف، فيه نهي عن منكر، فيه جهاد، فيه دعوة، في مراغمة لأعداء الله، إذن لا بد التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتحمل لما يصيب الإنسان من جراء تلك الأعمال التي يباشرها لله -سبحانه وتعالى-.
أيضًا قالوا:"يجب أن يكون المحتسب رقيقًا رفيقًا في أمره ونهيه بعيدًا عن الفظاظة مع صلابة في الدين"يعني رقيقًا رفيقًا بعيدًا عن الفظاظة، لكن مع صلابة في الدين. الشخص قد يقول: كيف الفقهاء يقولون هذا، يعني هذا تناقض؟ لا، لا يُعتبر هذا تناقض إطلاقًا؛ لأن الصلابة شيء، والخشونة والغلظة شيء آخر. الصلابة في الدين بمعنى أنك الذي تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر لا تداهنه، أو تتنازل له عن حق من الحقوق، لا يجوز لك أن تتنازل له عن حق من الحقوق أو أمر شرعي، لا تتنازل ولكن تعامله برفق ولين مع صلابة في الدين وعدم تنازل.
لا حرج في المداراة وحسن الخطاب معه والرفق به؛ لأن هذا من الأمور الطيبة، وهي من صفة الأنبياء، الرحمة، والرفق، وعدم الفظاظة، والغلظة؛ لذلك الله -عز وجل- مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأيضًا قال الله -عز وجل-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ، فالمحتسب يستطيع أن يوصل أمره ونهيه بأسلوب رقيق يفتح مغاليق القلوب، وأما بالغلظة والقسوة فإنه يفقد القلوب، ويؤثر على دعوته، والناس هم إلى الرفق أقرب؛ ولذلك الله -عز وجل- لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون، الذي ادعى الربوبية والإلهية ومع هذا قال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} فالمحتسب ينبغي أن يركز على هذا الأمر.
لكن قد يكون هناك بعض الناس يبالغون في السب ليس في سب ذات المحتسب فلا حرج، إذا سبوه أن يصبر وأن يحلم، لكن أن يصل الأمر إلى أن يسب الدين أو أن يقع في أمور كبيرة فهذا لا حرج بعد ذلك للمحتسب أن يغلظ عليه وأن يشد عليه. وسنأتي إلى مراتب التبيين، ولها مراتب من النصح إلى التخويف إلى الشد والكلام بألفاظ شديدة إلى التعزير، سنأتي -إن شاء الله- في المباحث القادمة.
أيضًا قال الفقهاء للمحتسب:"ينبغي على المحتسب أن يقلل علاقاته أو علاقته مع الناس، حتى لا يكثر خوفه من انقطاعها، وأن يقطع طمعه من الخلائق حتى تزول منه معاني الملَق والمداهنة وألا يقبل هداياهم فضلًا عن رشاواهم التي هي حرام وسحت، وأن يلزم أعوانه بما التزمه من الأخلاق والآداب"يعني ينبغي عليه أن يترفع عن دنيا الناس، عن هداياهم، عن أعطياتهم، عن حتى المعاملات بينه وبينهم؛ لأنه لما يكون محتسب فينعكس ذلك على معاملاته، فالناس يداهنونه ويجاملونه ويعطونه شيء من الهامش الكبير؛ حتى يغض الطرف عن كثير من المناكير التي يمارسونها، فينبغي للإنسان أن يبتعد عن هذا الشيء، وأن يلزم المحتسب أعوانه