الصفحة 15 من 28

إذن بفقد الحسبة يفقد الإنسان صلاح الدين والدنيا -كما قلنا- هذا يدل على دقة الفقهاء في هذه المسائل، حيث وصلوا إلى هذه الدقة حتى أن المحتسب يشرف على عمل المختص أصحاب الاختصاص فينظر إلى قدرتهم وإلى خبرتهم فإن كانت صالحة أقرهم على ذلك وإن كانت غير صالحة أقالهم من ذلك المنصب.

وطبعًا لا حرج أن يكون المحتسب -بل الأولى والأفضل- أن يكون المحتسب على مستوى كبير من هذه المعرفة والخبرة، ولكن لا نلزمه، لا نلزم المحتسب بذلك، فإن استطاع لا بأس، وإن لم يستطع فعليه لزامًا أن يستعين بأهل الخبرة والاختصاص، فنأتي إلى هذه المهن وهذه الحرف وهذه الأشياء وأي أمر يُسأل أصحاب الشأن والاختصاص {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فأهل الذكر اختصاص كل أمر وكل شأن بفنه، فيأتي إلى أصحاب الحرف وأصحاب الاختصاص فيسألهم عن هذه الأشياء ويقيّمونها له فإن كانت صالحة أقرها، وإن كانت فاسدة أزالها وهكذا.

سادسًا: القدرة،"يُشترط في المحتسب أن يكون قادرًا على الاحتساب باليد واللسان، وإلا وقف عند الإنكار القلبي، وهذا الشرط مفهوم فيمن يقوم بالاحتساب من تلقاء نفسه وبدون تعيين من ولي الأمر، أما المعين فإن القدرة حاصلة فيه"يعني المحتسب المتطوع ينكر بيده إن استطاع أن ينكر بيده فلا حرج، طبعًا بعد الإنكار بلسانه، فإن لم فبقلبه، أما المحتسب أصلًا فعنده من القدرة والقوة والشوكة والأعوان ما يستطيع المنكر بيده، طبعًا بضوابط، وفي بعض المباحث التي سنتكلم -إن شاء الله- عنها.

آداب المحتسب:

هناك شروط للمحتسب لا بد من توفرها في المحتسب وهناك آداب مكملة لهذا المحتسب، ذكر الفقهاء جملة من الآداب التي يجب على المحتسب التحلي بها؛ حتى ينجح في عمله ويؤدي واجب الحسبة على الوجه المرضي المقبول، فمن ذلك ما قالوه: إن على المحتسب أن يقصد باحتسابه وجه الله -تعالى- وطلب مرضاته، وطبعًا الإخلاص لله -سبحانه وتعالى- والاحتساب في هذا الأمر وفي كل عمل، ولكن في هذه الأعمال من باب أولى؛ لأن إخلاص العمل لله -سبحانه وتعالى- يعين الإنسان على وعثاء وشدة هذا العمل، فبقدر إخلاص الإنسان لله -سبحانه وتعالى- بقدر ما يُوفق ويُعان، وبقدر عدم إخلاصه بقدر ما يُخذل -نسأل الله السلامة والعافية-، فالإنسان ينبغي عليه أن يخلص لله -سبحانه وتعالى- في هذا العمل وفي غيره.

حتى إن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- كان يقول:"بقدر نيتك تَحفظ"يعني على مستوى العلم، يعني إذا نيتك طالبة وصالحة وخالصة يوفقك الله ويبارك لك في فهمك وحفظك وعلمك، وبقدر ما تكون نيتك سيئة بقدر ما لا يُبارك لك في ذلك العلم، وإن حدث الحفظ أو حدث العلم فإنه لا يُبارَك ويكون علم غير نافع، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من علم لا ينفع.

أيضًا من الأشياء: إخلاص النية والتجرد وطلب مرضاة الله -سبحانه وتعالى-، ينبغي للإنسان أن يفتش نفسه وأن يحاول أن يعالج نيته وقد كان السلف يعالجون نواياهم، وكان سفيان الثوري يقول:"أشد ما عالجت علي نيتي"، فيعالج نيته مع ممارسة ذلك العمل. وليس معنى هذا فتح باب الوسواس، يعني لا ينبغي للإنسان أن يفتح باب الوسواس يقول: لا، حتى أعالج نيتي وتخلص نيتي وأبتغي وجه الله -عز وجل- فأدخل في هذا العمل. فيفتح على نفسه باب الوسواس فيحرم نفسه من خير كثير. يدخل الإنسان في الأمرين، يجاهد نفسه على إصلاح نيته مع مباشرة ذلك العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت