بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
تكلمنا في الدرس السابق عن الحسبة وعن نظام الحسبة في الإسلام، وتكلمنا عن مشروعيتها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أن الأمة أجمعت على أنها فرض كفاية، لا بد أن تكون هناك عصبة تقوم بها قادرة على أدائها.
تكلمنا أيضًا عن حكمة مشروعيتها، واليوم نتكلم عن أركان الحسبة.
الحسبة لها أركان، سنتكلم في هذه المباحث عن بعض أركانها.
أركان الحسبة: المحتسِب، والمحتسَب عليه، والمحتسَب فيه، والاحتساب. وسنتكلم في هذا الدرس عن المحتسب، فمن هو المحتسب؟ المحتسب: من يقوم بالاحتساب أي: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن شاع عند الفقهاء إطلاق هذا الاسم على من يعيّنه ولي الأمر للقيام بالحسبة، وأطلقوا عليه أيضًا اسم"والي الحسبة".
أما من يقوم بها من دون تعيين ولي الأمر فقد أطلقوا عليه اسم"المتطوع"، ثم راحوا يفرقون بين المحتسب والمتطوع، يعني هذا كان تفريق قديم عند الفقهاء بين المحتسب الذي تم توليته من ولي الأمر -إمام المسلمين- وبين المتطوع الذي هو أمير نفسه، يعني هو يتطوع، يذهب ليأمر وينهى من غير تعيين، فقال الفقهاء:"الفرق بين المحتسب والمتطوع، أن الاحتساب فرض متعين على المحتسب بحكم الولاية التي تولاها -أي بحكم تعيينه محتسبًا-، أما فرضه على غيره فهو من فروض الكفاية، ومن ثم لا يجوز للمحتسب أن يتشاغل عما عُين له من أمور الحسبة بخلاف المتطوع".
وهذه نقطة مهمة كان الفقهاء يركزون عليها، أن الإنسان إذا عُين في ولاية معينة كولاية الحسبة وولاية الإفتاء أو ولاية القضاء فإنه يلزمه سد هذا الثغر الذي هو فيه، وأنه مطالَب بهذا الأمر الذي هو فيه، وعليه نجد -للأسف الشديد- تداخل المهام يحدث عند بعض الإخوة، فتكلفه بعمل دعوي فتجده بعد ذلك في عمل آخر، أو بعمل القضاء فيكون في مكان آخر، أو بعمل إداري أو إعلامي أو أمني أو عسكري فتجده يذهب إلى مكان آخر.
ولا حرج كونه يذهب إلى مكان آخر إن أتقن عمله ابتداءً وأحسن وأحكم عمله، لا حرج في ذلك، لكن كونه لا يحسن ولا يتقن عمله وينتقل إلى عمل آخر هذا من تداخل المهام وهذا مما لا يجوز شرعًا أصلًا. أنت موكل بعمل معين، عمل إداري، إعلامي، عسكري، شرعي، قضائي، عليك أن تقوم بهذا العمل. وأنت ملزم ومطالب أمام الله -عز وجل- بإتقانه وإحسانه وإكماله على الوجه الذي يرضاه الله -عز وجل- عنك، كونك بعد ذلك عندك فضول وقت وعندك سعة في الزمان فلا حرج أن تعين بعض إخوانك في بعض أعمالهم، ولكن لا يكن على حساب عملك؛ ولذلك ينبغي التركيز على هذه النقطة والتنبه عليها من قبل بعض الإخوة.