الصفحة 14 من 28

أما إذا كانت الحسبة كما يحدث عند بعض المتقلبين من الأمراء والسلاطين يعني يهيئون للحسبة أناس عندهم قدرة وقوة كوظيفة إدارية فعند ذلك بعض الفقهاء لا يشترطون العدالة؛ لأن الحسبة تقوم بالقدرة والقهر، ولكن هذا رأي مرجوح، ولذلك المرغوب -مما لا شك فيه ولا ريب- أن من المرغوب فيه بالنسبة لجميع المحتسبين أن يكونوا على أكبر قدر ممكن من العدالة وتجنب ما يخدشها وكلما كان المحتسب أكثر عدالة من غيره كان ذلك كما قالوا:"أزيَد في توقيره وأنفى للطعن في دينه"يعني أزيد في توقيره وأنفى للطعن في دينه فتؤثر حسبته وتُقبل وإن كانت بالقوة والقهر؛ لأنهم يرون تطبيقًا بين القول وبين العمل ويجدون قدوة صالحة أمامهم فالناس ينصاعون وينساقون لتلك القدوة الصالحة النافعة، فالإنسان بقدوته ومظهره.

خامسًا: العلم، يُشترط في المحتسب أن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف المنكر فينهى عنه، ويعرف المعروف فيأمر به حسب الموازين الشرعية، بهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبط، وقد جاء في الأثر لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به فقيهًا فيما ينهى عنه، لا بد أن يكون عنده معرفة وعلم في هذه الأمور.

ويدخل في حد العلم المطلوب علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها؛ ليقف عند حدود الشرع -كما سنبينه إن شاء الله في المباحث القادمة-.

يعني ليس معنى ذلك التوسع في العلوم الشرعية وكذا، لا، أنت منوط بك أعمال الحسبة، أن تعرف أن هذا منكر، ما هي ضوابطه الشرعية؟ -وسنتكلم عنها إن شاء الله-، هذا معروف، ما هي ضوابطه فيما تأمر؟ ما هي أوجه الحسبة؟ على من تحتسب؟ تكون هذه الأشياء ملزمة لشخص تصدَّر للحسبة أن يقوم بهذه الأشياء.

"هل يُشترط في المحتسب أن يكون عارفًا بالصنائع الدنيوية والمهن والحرف التي يباشرها الناس؟"

الواقع أن هذا التساؤل وارد؛ لأن عمل المحتسب يشمل مراقبة هذه المهن والحرف ليتأكد من عدم غش أصحابها واحتيالهم وإضرارهم بالناس، فقد ذكر الفقهاء أن على المحتسب أن يراقب أصحاب المهن والصنائع المختلفة ويمنعهم من الغش فيها، كما يمنع مباشرتها من قبل الجهال بها، ومن البدهي أن ذلك لا يتأتى للمحتسب إلا إذا كان عارفًا بهذه الصنائع والحرف بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن المحتسب يمتحن بعض أصحاب المهن العلمية كالكحال"يعني ذهب بعض الفقهاء إلى أنه ينبغي للمحتسب أن يعرف هذه المحن ويختبر أصحابها فيها، كالكحال، والكحال كان مصطلح فقهي، هو طبيب العيون؛"ليتأكد من صلاحيته لهذه المهنة، وهذا يستلزم معرفة المحتسب لهذا الجانب من العلم. قال الفقيه عبد الرحمن بن نصر الشيزري: أما الكحالون فيمتحنهم المحتسب فمن وجده فيما امتحنه عارفًا بتشريح عدد طبقات العين السبعة وكان خبيرًا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس"."

وأيضًا قال:"وكما صرح الفقهاء بضرورة معرفة المحتسب بالأوزان ونحوها فمن أقوالهم: لما كانت هذه القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم أصول المعاملات وبها اعتبار المبيعات لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها؛ لتقع المعاملة بها من غير غبن على الوجه الشرعي".

طبعًا هذا اصطلاح من اصطلاح الفقهاء وهذا يدل على دقة فقهائنا وعلى عظيم ما وصل إليه المسلمون من إتقان وتفنن وحسن إدارة وتدبير، وأيضًا الحسبة كان لها الأهمية بشكل كبير.

الآن لما ضاعت الحسبة بين المسلمين وُجدت في المهن والصنائع الغش والتدليس والكذب، وعلى غير المواصفات المطلوبة، ووُجدت المصائب وفشَت المناكير، وتفشت الأخلاق الرذيلة، السفور، والسقوط، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت