الصفحة 13 من 28

ثانيًا: أن يكون مسلمًا، وهذا شرط واضح؛ لأن الحسبة نصرة للدين، فلا يكون من أهل النصرة من هو جاحد لأصل الدين، فلا ولاية لكافر على مسلم.

ثالثًا: الإذن من الإمام أو نائبه، طبعًا هذا شرط من شروط الفقهاء لكن هذا الشرط محل نظر؛ لأن المحتسب إذا عُين من قبل ولي الأمر فلا حاجة له الإذن، يعني ما يحتاج أصلًا إلى إذن إذا تمت توليته أصلًا؛ لأن التولية لا تحتاج إلى الإذن.

أما إذا لم يكن معينًا وهو الذي يسمونه المتطوع فإن اشترطوا له الإذن لكل نوع من أنواع الحسبة فإن اشتراطهم هذا لا دليل عليه، بل إن النصوص تدفعه؛ لأن كل مسلم يلزمه تغيير المنكر والأمر بالمعروف إذا رآه، وقد يلزمه الأمر بالمعروف وتغيير المنكر إذا رآه وقدر على إزالته دون اشتراط إذن من الإمام، ويؤيد هذا ما كان عليه السلف الصالح من الحسبة بين الناس، ولكن إذا قلنا أنه مثلًا من باب تنظيم الحسبة أن نكلف أناسًا بأعيانهم لإقامة الحسبة كونهم عندهم شيء من العلم الشرعي وعندهم شيء من الرفق واللين والقدرة والخبرة في إدارة هذا المجال فنقول: هناك أناس مكلفون بهذا، لا حرج أن يستعين أصحاب الحسبة بغيرهم من المتطوعين أو أن بعض المتطوعين الذين عندهم من العقل والرزانة والعلم والخبرة والرفق أن يحتسبوا عند الناس، لا حرج في ذلك، أما أنها تُفتح على مصراعيها فهذا لا ينبغي أن يكون؛ لأنه يؤدي إلى الفوضى.

رابعًا: العدالة، ينبغي أن يكون المحتسب عدلًا، وهذا شرط قال به بعض الفقهاء، فعندهم لا بد أن يكون المحتسب عدلًا غير فاسق، ومن مظاهر عدالته أن يعمل بعلمه، أن يعمل بما يعلم؛ لقول الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، وقول الله -عز وجل-: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (رأيت ليلة أُسري بي، رجال تُقرض شفاههم بالمقاريض فقلت له: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم) ، وهدْي الأنبياء كان هكذا، هدي الأنبياء كانوا لا يأمرون بشيء إلا وهم يطبقونه ويعملونه؛ ولذلك قال الله -عز وجل- حكاية عن شعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فأنا أول مطبق لما أقول لكم وآمركم به.

إذن العدالة لا بد منها، ولكن بعض الفقهاء يرى أن العدالة ليست شرطًا وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر؛ ولذلك قال سعيد بن جبير -رحمه الله-:"إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء"وهذا صحيح، فليس معنى هذا أن العدالة المطلقة الكاملة، فما من شخص إلا وعنده هنَّات وأنات وزلات ومعاصي ليس مسلَّم الإنسان من ذلك ولكن ينبغي أن يعالج نفسه، يحاول أن يكون عدلًا فيما يأمر وفيما ينهى؛ ولذلك الأمر هنا منصب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} فالنهي عن هذا الخلق، ولكن ليس النهي أن تأمر بإصلاح هذا الخلق وأن تنهى عن ذلك الخلق، فالأمر منصب على هذه المعاصي ألا تتلبس بها، ولكن قد يكون الإنسان متلبس بمعصية ولكن عليه أن ينهى عنها، وأن يكون تاركًا لمعروف ولكن لا بد أن يأمر بذلك المعروف.

العدالة -كما قلنا- فيها خلاف واسع ولكن الأولى للمحتسب أن تكون فيه هذه الخصلة لا سيما إذا كان في مقام الوعظ والإرشاد والخطابة والنصيحة فإنه لن يكون لكلامه وزن ولا قيمة ولا قبول ولا تأثير إلا إذا كان على مستوى من المصداقية بأن يصدق قوله فعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت