الصفحة 4 من 28

عليهم هم اليهود؛ لأنهم علموا فتنكبوا العلم ونكصوا عنه {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} ، والنصارى ضلوا وأضلوا كثيرًا، لم يعلموا وإنما ابتدعوا ابتداعات رهبانية، وعبادات وطقوس، ومع هذا ما التزموا بها.

والمعصية في الحالتين منكر، سواءً من ضل بغير علم أو من ضل بعلم. منكر ارتُكب أو معروف هجر، والمنكر إذا وقع وجبت إزالته، والمعروف إذا هُجر وجب الأمر به.

وإزالة المنكر إذا ظهر فعله والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه هو أساس وملاك ما يُعرف بالشريعة الإسلامية بـ"نظام الحسبة"وهو ما سنتكلم عنه -إن شاء الله- في هذه الدروس، وسنتكلم في مباحث، يعني التعريف بالحسبة وبيان مشروعيتها ومكانتها في الإسلام.

أيضًا سنتكلم عن المحتسب، وعن المحتسَب عليه، وعن المحتسب فيه، وأخيرًا عن نفس الاحتساب وموضوع الاحتساب.

• الموضوع الأول:-

التعريف بالحسبة ومشروعيتها ومكانتها في الإسلام:

الحسبة في اللغة: تدل على العد والحساب، ويُقال: احتسب بكذا إذا اكتفى به، احتسب على فلان الأمر أنكره عليه، واحتسب الأجر على الله ادخره لديه. والاحتساب فيها من الأجر، والحسبة اسم من الاحتساب، والاحتساب يُستعمل في فعل ما يُحتسب عند الله -تعالى-.

والحسبة عند الفقهاء: أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهيٌ عن المنكر إذا ظهر فعله، فهو إذن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بل إن الفقهاء يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتسابًا وحسبة ما دام القائم به يفعله ابتغاء مرضاة الله وما عنده من ثواب؛ ولذلك ورد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا) و (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا) .

أما دليل المشروعية فقد دل على طلب الشرع للحسبة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والإجماع، فكل آية وردت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي دليل على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها، والواقع أن القرآن الكريم دل على طلب الحسبة بأساليب متنوعة، فطَوْرًا يأمر بها، وتارة يجعلها وصفًا لازمًا للمؤمنين، وسببًا لخيرية الأمة، وأن الغاية من التمكين في الأرض والظفر بالسلطان والحكم هو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن ترْك ذلك سبب لاستحقاق اللعنة.

فمن هذه الآيات قوله -تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فالله -عز وجل- جعل الفلاح مُنصب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

وقال -سبحانه وتعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

وقال الله -عز وجل-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ}

وقال الله -عز وجل- واصمًا بني إسرائيل باللعن: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت