الصفحة 5 من 28

وقال الله -عز وجل- حاكيًا عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} .

والحسبة أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فالسنة النبوية دلت على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .

وجاء في الحديث: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يُستجاب لهم) .

وأيضًا ورد في الحديث الذي أخرجه الترمذي وأبو داوود: (أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن منكر فقتله على ذلك)

وأيضًا ورد في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإن أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)

وأيضًا جاء في الحديث الذي أخرجه البيهقي وأحمد عن قيس بن حازم قال: قام أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) "والأحاديث في ذلك كثيرة وإنما نذكر على سبيل التمثيل.

ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتسب بنفسه، كان - صلى الله عليه وسلم - يباشر هذه الفريضة بنفسه، كان ينزل إلى الأسواق ويحتسب؛ ولذلك جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على صُبرة طعام -الصبرة هي: الطعام المحبوس- فأدخل يده فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال: (من غش فليس منا)

أي: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - يتفقد طعام المسلمين ويتفقد المبيع والتجار، فأدخل يده في صبرة طعام فنالت بللًا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء. يعني المطر، فقال: هلا رفعته ليراه الناس؟ فهذا غش وتدليس. فالغش والتدليس هذا نوعه، وإذن قد يحدث تطفيف، وتحدث أشياء كثيرة من المناكر في السوق، فلا بد لولي الأمر من الحسبة على الأسواق.

وكان الخلفاء أيضًا يقومون بالحسبة، فكما جاء في السيرة الحلبية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل من ينوبه على الحسبة في الأسواق، فلما فتحت مكة أمر بسعيد بن العاص على سوق مكة، وكان يجعل عمر على سوق المدينة، يشرف على السوق ويراقب حركة السوق ويحتسب على التجار.

وكان الخلفاء يقومون بذلك، أبي بكر، عمر، كان عمر ينزل بنفسه إلى الأسواق، وكان عمر -رضي الله تعالى عنه- قد وكّل عبد الله بن عقبة والسائب بن يزيد على أسواق المدينة في التطفيف، في التدليس، في التلبيس على الناس، في التغرير على الناس، في أي منكر يقومون بالإنكار عليهم.

كذلك عثمان -رضي الله تعالى عنه- ولى الحارث بن الحكم، وكان علي بن أبي طالب ينزل بنفسه إلى السوق ومعه الدرة، وكان يتحول من سوق إلى سوق، ثم هكذا في الخلافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت