الأموية والخلافة العباسية حدث نفس هذا الأمر، ثم نزل نظام كامل للحسبة وجُعل له الأعوان، ونزلت في ذلك المؤلفات من بعد القرن الثالث، نزلت بعض الكتابات عن الحسبة.
إجماع الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يخالف في ذلك إلا الرافضة، والرافضة لا يُعتد بها كما قال إمام الحرمين أبي المعالي الجويني -رحمه الله تعالى-، وكان الصحابة يحرصون أشد الحرص على مسألة الحسبة، وقد مر علينا أبو بكر يعني في تعديل الآية للصحابة أنكم تحملون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} تحملونها على غير المحمل، يعني الآية عليكم أنفسكم خلاص اجلسوا في بيوتكم لا تحتسبوا لا تجاهدوا! لا، بل عليكم أن تأمروا بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون.
وأيضًا كان الصحابة يحرصون على هذا حتى أن أبا الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال:"لتأمرن بالمعروف أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يُجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو خياركم ولا يُستجاب لهم، وتستنصرون فلا تنصرون، وتستغفرون فلا يُغفر لكم".
وسُئل حذيفة عن ميت الأحياء فقال:"الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه"
وقال علي بن أبي طالب:"أول ما تُغلبون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نُكس فجُعل أعلاه أسفله"نسأل الله السلامة والعافية.
بل تجاوز ذلك إلى الفعل، إلى الإنكار باليد من الصحابة، ولذلك لما أراد مروان بن الحكم وكان من أمراء بني أمية كان الناس عندهم غيظ على بني أمية؛ لمخالفاتهم فكانوا لا يحضرون الخطبة، صلاة العيد ثم الخطبة، كانت الصلاة عادة في العيد الصلاة ثم الخطبة، فكان الناس يصلون العيد؛ لأن الصلاة فرض واجب ثم إذا صعد خطيب بني أمية كثير من الناس ينصرف، فبنو أمية احتالوا حيلة، فكانوا يقدمون الخطبة على صلاة العيد؛ حتى الناس يجلسون، فصعد مروان بن الحكم أراد أن يخطب قبل الصلاة، فأبو سعيد الخدري أخذه من تلابيبه وأنزله من المنبر، فقال له: مه. -يعني أيش تعمل؟ - فقال له: سمعت رسول الله يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وما أدركنا الصلاة إلا قبل الخطبة. يعني صلاة العيد ثم الخطبة.
والحسبة: هي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وقد يُنظر إليها من ناحية المُطالَب بها، قد يُنظر إليها من حيث هي أمر ونهي، فمن الناحية الأولى هي فرض كفائي، يعني من المطالب بها؟ فرض كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد أثم القادرون جميعًا.
الأصل في الحسبة أن يقوم بها مجموعة من المسلمين يكفوا الناس هذه العبادة، فإذا لم يقم بها أحد أثم القادرون كلهم. فلا بد من تفعيلها في كل بلد وفي كل مصر، وإن لم يقم بها أحد أثم القادرون جميعًا، وقد تصير فرض عين إذا تعينت على شخص معين، كما أنها قد تصير مستحبة بالنسبة للمسلم الغير واجبة عليه، وقد تصير محرمة في ظروف خاصة كما سنبينه -إن شاء الله- في الدرس القادم.
قال د. عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة) :"أما من الناحية الثانية -أي: بالنظر إلى ذاتها- فإنها تكون على رأي البعض واجبة أو مندوبة نظرًا إلى موضوعها -أي: إلى ما تتعلق به-، فإن كانت أمرًا بواجب أو نهيًا عن حرام كانت الحسبة واجبة، سواءً كان وجوبها عينيًا أو كفائيًا، وإن كان موضوعها أو ما تتعلق به مندوبًا كانت مندوبة. وقال البعض الآخر من الفقهاء:"