إن الحسبة بذاتها تكون واجبة دائمًا بغض النظر عما تتعلق به."أهـ"
وهذا هو الراجح.
يعني الفقهاء فصلوا، هل تكون واجبة إذا كان الأمر المأمور به واجب؟ مندوبة إذا كان الأمر المأمور به مندوب؟ أم أنها واجبة على الإطلاق؟ الراجح أنها واجبة على الإطلاق. فليس معنى هذا إذا كان الأمر ... ؛ لأنك قد تحتسب على النهي عن المنكر، أو على الأمر بالمعروف، والأمر بالمعروف قد يكون أمر بمعروف واجب كإقامة الصلاة، قد يكون أمر بمعروف، بخلق، يعني أن تأمر الناس بالأخلاق الفاضلة فلا بد منها أيضًا.
فإذن الحسبة بذاتها تكون واجبة دائمًا بغض النظر عما تتعلق به. ولكن تكون لها آليات معينة.
هناك فرق بين الأمر بالمعروف الواجب كإقامة الصلاة، من الأمر بالمعروف ببعض الأخلاق، الأمر بالمعروف الواجب سيأتي، تُعرّف ثم تنصح وترشد ثم تغلظ القول، ثم بعد ذلك قد تستعمل التعزير والعقوبات، تتدرج في مراتب الأمر، لكن الأمر بالأخلاق إنما هو محض نصح وإرشاد، وليس محض إلزام. وسنتكلم -إن شاء الله- عنها.
أما مكانة الحسبة في الإسلام:
فللحسبة مكانة عظيمة جدًا في الإسلام؛ لأنها أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وهذا من أخص خصائص الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال الله -تعالى- مبينًا هذه الحقيقة -أي خصائص النبي-: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}
وقد وصف الله الأمة الإسلامية بما وصف به رسولها حتى تقوم من بعده بما قام - صلى الله عليه وسلم -، قال -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فهي خصيصة للنبي انعكست على خصائص المؤمنين.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأصول العظيمة للإسلام، ومن ثم كانت الحسبة محل عناية الفقهاء والتنويه بشأنها، قال الفقيه المشهور بـ (ابن الأُخوة) :"الحسبة من قواعد الأمور الدينية، قد كان أئمة السطر الأول يباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها وجزيل ثوابها، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله وإصلاح بين الناس".
إذن هذه قواعدها، أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله وإصلاح بين الناس.
وقال ابن خلدون في مقدمته:"أما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين أن يعين لذلك من يراه أهلًا له".
أما حكمة مشروعيتها:
فحكمة مشروعيتها ظاهرة؛ لأن تبليغ الدعوة الإسلامية بجميع معانيها يندرج تحت مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن من حكمة مشروعيتها توقي العذاب واستنزال رحمة الله -تعالى- وبيان ذلك أن المعاصي سبب المصائب وما ينزل على الناس من عذاب التأديب أو الانتقام أو الاستئصال، وبهذا جرت سنة الله -سبحانه وتعالى-، قال -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} .
وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سببًا للمصائب والهلاك فقد يذنب الرجل أو الطائفة