وبهذا يتبين أن ما شاع من تقسيم هذا الطور إلى مدرستين: مدرسة أهل حديث في المدينة، تعتمد على النصوص الشرعية فحسب في بيان الأحكام بلا استخراج واستنباط؛ لتوافر الأحاديث لديها، ومدرسة أهل رأي في الكوفة، تعتمد على الرأي والقياس؛ لقلّة الأحاديث بين يديها، فإنه غير صحيح ولا دقيق؛ إذ أن أول من طرح ذلك محمد رشيد رضا في كتابه (( يسر الإسلام وأصول التشريع ) )، وتبعه آخرون (1) ممن لم يمحصوا كلامهم في حين ردَّ هذه الفكرة المحققون كالإمام الكوثري والإمام أبي زهرة؛ لأننا من خلال استعراضنا السريع لعلماء كل من الكوفة والمدينة وجدنا أنه لم تخلو واحدة منهم عن فقهاء ومحدثين، بل إن أعظم فقهاء ومحدثي الأمة استقروا فيهما، فكان الحديث والفقه شائعًا فيهما على أصوله المحكمة المعروف.
ولأنه لا يتصور اجتهاد بلا نص ورأي، فكل منهما مكمل للآخر، والقول بانفصالهما يلغي الاجتهاد الصحيح أصلًا، ومن ثم لا يعد قيمة لما روي عن مدرسة المدينة؛ لعدم قيامهم بالاجتهاد واعتمادهم على النصوص، ومعلوم أنه لا بُد من الرأي والاجتهاد في التوفيق بين النصوص لاستخراج الأحكام الشرعية، وكذلك لا اعتماد على اجتهاد أهل الكوفة؛ لعدم وجود نصوص يستخرجون منها الأحكام الشرعية، وبالتالي نهدم الأساس القوي لهذا الفقه العظيم الذي نباهي به الأمم بهذه النظرية.
(1) الزرقا، المدخل، ج1، ص167، وزيدا، المدخل، ص114، وموسى إبراهيم الإبراهيم، المدخل إلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي، دار عمار، عمان، 1989م، ص157، والنبهان، المدخل، ص150.