الصفحة 142 من 439

فالقول الفصل أنه كان حديث ورأي في المدينة، وكذلك في الكوفة إلا أنهم يطلقون على من يشتغل بالفقه واستخراج الأحكام أهل رأي سواء كان بالمدينة أم بالكوفة، بخلاف من يقوم بنقل الأحاديث وروايتها فيسمون أهل حديث، وهذا ما مشى عليه علماؤنا في مؤلفاته كابن قتيبة في كتاب (( المعارف ) )ذكر الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، وعدّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس - رضي الله عنهم -، وكذلك الحافظ الخشني ذكر أصحاب مالك - رضي الله عنه - في (( قضاة قرطبة ) )باسم أصحاب الرأي، ومثله فعل الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في (( تاريخ علماء الأندلس ) ).

وزيف العلامة أبو زهرة هذه النظرية، ومما قال (1) : (( عند دراسة مالك خاصة وجدناه فقيه رأي كما هو فقيه أثر...وإن كان الرأي الذي ارتضاه مالك - رضي الله عنه - ليس هو الرأي الذي اختاره أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - وسائر العراقيين من كل الوجوه، فالفرق بينهما في طريقة الاستنباط لا في مقداره... وبذلك تنهار النظرية التي تقرِّر أن سببَ الإكثار من الرأي هو قلّة العلم بالحديث، فما كان علم مالك - رضي الله عنه - بالحديث قليلًا، بل كان كثيرًا ولكنّ الحوادث التي وقعت، والمسائل التي سئل فيها كانت أكثر بقدر كبير جدًا، فكان لا بُدّ من الرأي، ولا بُدّ من الإكثار منه، ما دام يفتي ويستفتي، ويجيء إليه الناس من الشرق والغرب سائلين مستفتين ) ).

(1) أبو زهرة، مالك، ص 17-18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت