فهرس الكتاب
سابعًا: تدوين مسائلهم: فإن من تمام حال المذاهب الأربعة أنها دوِّنت بأيدي أصحابها أو تحت أعينهم أو بأيدي تلاميذهم، فحفظت عن الضياع والتحريف والتبديل، بخلاف غيرهم فلم تحظى بذلك، فما دوِّن منها دوَّنه أرباب هذه المذاهب الأربعة، ومعلوم أننا لا نأخذ رأي مالك من كتب الحنفية وبالعكس، فكيف يكون لنا أخذ قول غير هؤلاء الأئمة من كتبهم، فعلماء هذه المذاهب لم يعتنوا بتحرير وضبط غير أقوال أئمة مذاهبهم؛ لذلك كثيرًا ما يخطئون في نقل قول أحد المذاهب المدوّنة في كتبهم. وقد دقَّق أصحاب المذاهب المشهورة في النقل عن أئمتهم فهم لا يقبلون قولهم من أي كتاب وإن كان صاحبه من أهل المذهب ما لم يثبت هذا الكتاب ويصل إلينا بطريق مشهور أو متواتر.
وقال ابن حجر الهيتمي (1) في سبب عدم تقليد الصحابة - رضي الله عنهم: (( نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناعه على العوام؛ لارتفاع الثقة بمذاهبهم؛إذ لم تدوَّن وتحرر وجزم به ابن الصلاح، وألحق بالصحابة - رضي الله عنهم - التابعين - رضي الله عنهم - وغيرهما ممَّن لم يدون مذهبه ) )، وقال ابن رجب (2) : (( قد نبَّهنا على علة المنع من ذلك ـ أي من تقليد غير الأئمة الأربعة ـ وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبِّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة ) ).
(1) أحمد ابن حجر الهيتمي (974هـ) ، الفتاوى الفقهية الكبرى، المكتبة الإسلامية، ج4، ص307.
(2) ابن رجب، الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة، ص34.