الصفحة 185 من 439

رابعًا: يسر استخراج الأحكام من الأصول والقواعد وأقوال الفقهاء: فإن أئمة المذاهب استقرءوا نصوص الشريعة وسبروها، واستخلصوا منها الأصول والقواعد التي تنتظم فيها المسائل الفقهية لدى كل منهم، فلم يبق على مَن قلدهم إلا استخراج أحكام ما لم ينصوا عليه مما استجد من المسائل الفرعية على أصولهم وفروعهم التي وردت عنهم. حيث أنهم قطعوا لمن بعدهم مرحلة طويلة وشاقة في استخلاص الفروع من نصوص الشارع، فكان عمل مَن بعدهم أيسر وأسهل في التعرف على أحكام الشريعة، ويظهر هذا جليًا لمَن فرغ وقته ونفسه في الاشتغال على مذهب من مذاهب هؤلاء الأئمة - رضي الله عنهم -، وسيأتي مزيد من التفصيل عند الكلام عن المجتهد في المذهب.

خامسًا: قلّة الدين والورع والتقوى وفساد الحال كلّما تأخر الزمان: يشهد لذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني…) (1) ، قال ابن رجب (2) : (( ثمّ قلَّ الدين والورع، وكثر مَن يتكلم في الدين بغير علم ومَن ينصب نفسه لذلك، وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذا الزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أنّ كلّ أحد يفتي بما يدّعي أنه يظهر له أنه الحقّ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حرامًا والحرام حلالًا. ولقال كلّ مَن شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه بأن نصب للناس أئمة مجتمعًا على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى من أهل الرأي والحديث. فصار الناس كلهم يعوِّلون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم ) ).

(1) سبق تخريجه.

(2) ابن رجب، الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، ص27-28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت