الصفحة 271 من 439

أثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعلماء منزلة خطيرة حين قال: (إن العلماء وَرَثة الأنبياء) (1) ، لأن العلماء الذين دارت عليهم الفتوى هم المختصون باستنباط الأحكام الشرعية ومعرفة الحلال والحرام، فهم بمنزلة النجوم يَهتدي بها التائه في الظلماء (2) .

لذا قيل في الفتوى: إنها توقيع عن الله - جل جلاله - (3) ، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك أمرًا خطيرًا من أعلى المراتب، لا يُنكَر فضله، فكيف بمنصب التوقيع عن خالق السماوات والأرضين (4) .

وعن محمد بن المُنكَدِر أنه قال: (( إن العالم بين الله وبين خَلْقه، فلينظر كيف يدخل عليهم ) ) (5) .

ولهذا هاب العلماء هذا المقام، فكانوا يتدافعون الفتوى مع شهرتهم بالعلم.

قال البَرَاء بن عازِب - رضي الله عنه: (( لقد رأيتُ ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى ) ) (6) .

وقال أبو حَصِين الأَسَدي: (( إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر ) ) (7) .

(1) أبو داود، السنن، ج2: 341، والترمذي، السنن، 5: 48، وابن ماجة، السنن، 1: 81، وابن حبان، الصحيح، 1: 289، وغيرها. قال الشربيني في مغني المحتاج، ج1، ص10: (المفتي وارث الأنبياء، وموضح الدلالة،والمبيّن بجوابه حرامَ الشرع وحلاله، ويكفيه هذا الوصف تعظيمًا له وجلالة) .

(2) ابن القيم: إعلام الموقعين ج1 ص14.

(3) ابن الصلاح السابق. والنووي، المجموع، ج1، ص40، والشاطبي، الموافقات، ج4، ص597.

(4) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج1، ص15.

(5) الخطيب، الفقيه والمتفقه، ج2، ص168، وابن الصلاح، أدب المفتي، ص74، والنووي، المجموع، ج1، ص40.

(6) الخطيب، السابق، ص165، وابن حمدان، صفة الفتوى، ص7.

(7) ابن الصلاح، أدب المفتي، ص76، وفيه: وروي عن الحسن والشَّعْبي مثله. وانظر: النَّوَوي، المجموع، ج1 ص40، وابن حمدان، السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت