الصفحة 272 من 439

وقال أبو يوسف - رضي الله عنه - تلميذ أبي حنيفة - رضي الله عنه: سمعتُ أبا حنيفة يقول: (( لولا الفَرَق من الله أن يَضِيع العلم ما أفتيتُ أحدًا، يكون له المهنأ وعَلَيّ الوِزْر ) ) (1) .

وكان مالك - رضي الله عنه - إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار (2) .

وعقَّب عليه الخطيب البغدادي بقوله: ويحق للمفتي أن يكون كذلك، وقد جعله السائل الحجة له عند الله، وقلّده فيما قال، وصار إلى فتواه من غير مطالبة ببرهان ولا مباحثة عن دليل، بل سلَّم له وانقاد إليه، إن هذا لمقام خطر وطريق وعر (3) .

فالفتوى أمر عظيم لأنها بيان لشرع رب العالمين، والمفتي يوقِّع عن الله تعالى في حكمه، ويقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيان أحكام الشريعة (4) .

وفي التحرز عن الفتوى والهيبة من الإفتاء آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين وأتباعهم من أهل الورع والتقى.

ثالثًا: حكم الفتوى:

قد تكون الفتوى فرض عين، وقد تكون فرض كفاية (5) .

فالفتوى فرض عين علي المفتي في حالتين:

(1) الخطيب، السابق، ص168. والنووي، المجموع، ج1 ص41.

(2) الخطيب، الفقيه والمتفقه، ج2، ص167، وابن حمدان، صفة الفتوى، ص9.

(3) الخطيب، السابق، ص167-168.

(4) قرار رقم 153 (2-17) فقرة (أولًا) لمجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في عَمَّان - المملكة الأُردنية الهاشمية سنة 1427هـ-2006م.

(5) فرض العين: هو ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين، ولا يجزيء قيام مكلف به عن آخر، كالصلاة والزكاة.

وفرض الكفاية: هو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين لامن كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين. وإذا لم يقم به أي فرد من أفراد المكلفين أثموا جميعًا، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة على الميت، والطب، والقضاء، والإفتاء. ينظر: خلاف، علم أُصول الفقه، ص108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت