الصفحة 387 من 439

الشرط الأول: أن يكون الفعل معلومًا للمكلف علمًا تامًا: حتى يتصور قصده إليه وقيامه به كما طلب منه، والمراد بالعلم علم المكلف فعلًا أو إمكان علمه بأن يكون قادرًا بنفسه أو بالواسطه على معرفة ما كُلِّف به بأن يسأل أهل العلم عمّا كُلِّف به؛ لذا لا بدّ أن يكون المكلف على علم تام بما أمره به الشارع أو نهاه عنه حتى يستطيع أن يقوم به كما طلب منه، ولا يشترط في حصول هذا العلم أن يحصلَ عليه المكلَّف بالفعل، بل يكفي إمكان العلم: أي أن يكون في إمكان المكلف العلم بالأحكام الشرعية بنفسه، أو بواسطة السؤال عن هذه الأحكام ممن يعلمونها من العلماء.

ويتحقق هذا الإمكان ببلوغ الإنسان عاقلًا مقيمًا في دار الإسلام، فمتى بلغ الشخص عاقلًا وكان مقيمًا في دار الإسلام اعتبر عالمًا بالأحكام الشرعية حكمًا، وترتبت عليه آثارها، ولا يقبل منه بعد ذلك الاعتذار بالجهل بالأحكام؛ ولذا قال الفقهاء: (( لا يقبل في دار الإسلام عذر بالجهل للحكم الشرعي ) ) (1) ، وذلك لأن هذه الدار دار علم بالأحكام لشيوعها فيها، والشيوع قرينة العلم.

ويترتب على هذا الشرط ضرورة أن يعلمَ المكلف مصدر التكليف بالفعل بأنه من الله - جل جلاله - له سلطة التكليف لكي يكون التنفيذ طاعة وامتثالًا لأمر الله - عز وجل -، ولكي يتجه قصد المكلف لموافقة طلب الله - جل جلاله -في التزام أحكامه بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب (2) . ويكفي إمكان علم المكلف بمصدر التكليف كما يكفي إمكان علمه بالفعل المكلف به وذلك بأن تتوفر في المكلف القدرة والعقل والتمكن من العلم إذا قصده واتّجه إليه سواء بنفسه أو بسؤال أهل العلم عنه عند قيامه في دار الإسلام، وعندئذ يتحقق الشرط بالعلم بما كلِّف به، فيتعلَّق التكليف به ويجب عليه تنفيذه والالتزام بآثاره.

(1) المصدر السابق، ص300.

(2) الغزالي، المستصفي، ج1، ص86، ومدكور، مباحث الحكم، ص198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت