الناس: (أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي) ، يريد: معنى التوقع والرجاء .. والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم" [1] ، وقلت: وهذا كالحوم على قول من يقول: إن (ناظرة) بمعنى: (منتظرة) " [2] .
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم؛ ولهذا فقد رد ابن فضال هذا التخريج فقال:"وأما من زعم أن المعنى: (ثواب ربها منتظرة) ، فليس بشئ؛ لأن الله - تعالى - أخبر أنهم في النعيم والنضرة بقوله: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} [3] ، ولا يقال لمن كان في النعيم: (هو منتظر للثواب) ؛ لأن النعيم هو الثواب. وقد حمل قومًا تعصبهم أن زعموا أن (إلى) واحد (الآلاء) ، وليست بحرف، وكأن التقدير: (نعمة ربها ناظرة) ؛ لأن (الآلاء) : النعم، وهذا لا يجوز لما قدمنا ذكره من أنه من كان في النعيم؛ فلا يقال: (هو منتظر النعم) . وقد تناصرت الأخبار بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهي مشهورة في أيدي الناس، مع دلالة قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [4] ؛ لأنه لو كان غيرهم محجوبًا لما كان في ذلك طرد لهم، ولا تعنيف؛ لأن المساواة قد وقعت، فإذا كان أعداء الله محجوبين عنه، فأولياؤه غير محجوبين" [5] .
وما ذكره ابن فضال في رد هذا الوجه صحيح؛ لأن الأحاديث الدالة على رؤية الله - تعالى - في يوم القيامة كثيرة ومشهورة، والتصديق بهذه الأحاديث - كما يقول النحاس - لازم للعباد أن يؤمنوا بها، وإن لم تبلغه عقولهم، ولم يعرفوا تفسيرها؛ فعليهم الإيمان بها والتسليم بلا كيف ولا تنقير ولا قياس؛ لأن أفعال الله لا تشبَّه بأفعال العباد [6] ، ولأن الله - تعالى - أخبر أنها وجوه ناضرة، بمعنى: (ناعمة) ؛ فقد حل النعيم بها، وظهرت دلائله عليها، فلا يُنْتظر ما أخبر الله - تعالى - أنه حالٌّ فيها، وإنما ينتظر الشىء الذي هو غير موجود فيها [7] .
كتاب (النكت في القرآن) لابن فضال المجاشعي (ت سنة 479هـ) من الكتب التي اهتمت بمعاني القرآن الكريم وإعرابه؛ وقد رتب مسائله على حسب ترتيب آيات القرآن وسورة، واختار منها بعض الآيات
(1) الكشاف 4/ 192.
(2) الدر المصون 1/ 576 - 577.
(3) سورة القيامة آية 22.
(4) سورة المطففين آية 15.
(5) النكت 673 - 674، 2/ 690 - 691ط الرشد.
(6) إعراب النحاس 5/ 84.
(7) المشكل لمكي 2/ 432.