جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً؛ ولهذا فإن معناها معنى الإيجاب، أي: (إنك ستفعل) [1] ، واستشهدوا لذلك بقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح [2]
والشاهد في البيت: أن جريرًا لم يستفهم لعبد الملك بن مروان، وإنما هذا إيجابٌ، وليس باستفهام.
ورد ابن فضال ذلك؛ فقال:"وهذا القول غير مُرْضِ، وإنما غلط من قال هذا من قبل؛ لأن الله - تعالى - قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ؛ فلا يجوز أن يشكُّوا فيما أخبرهم الله - تعالى- فيستفهموا منه؛ فلهذا منعوا أن يكون استفهامًا. وليس يوجب الاستفهام الشك في أنه سيجعل، وإنما يوجب الشك في أن حالهم يكون مع الجعل، وترك الجعل في الاستقامة والصلاح سواء، وأصل الألف الاستفهام" [3] .
وابن فضال - على هذا - يرى أن الاستفهام على حقيقته، وليس المعنى فيه: أن الملائكة يشكُّون في أنه - تعالى - سيجعل من يفسد فيها، وإنما المعنى: أنهم استفهموا عن أحوالهم، هل سيكون أمرهم في الاستقامة والصلاح واحدًا أم لا؟ سواء أجعل من يفسد فيها أم لم يجعل؟!
وأرى أن ما ذكره ابن فضال صحيح في المعنى؛ لأن الأصل في الهمزة أنها للاستفهام، ولا يجوز العدول فيها عن ذلك إلا إذا لم يصح التأويل فيها، وسيأتي بعد ذلك أنه يجوز تأويلها على معنى صحيح يجوز المصير إليه والاعتماد عليه.
2 -الثاني: أن الهمزة فيها للاستخبار والاستعظام، وذهب إلى ذلك: الطبري [4] ، والمعنى: (أَعْلِمْنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، وتارك أن تجعل خلفاءك منا، ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك) ، وليس ذلك على جهة الإنكار، وإن كانت قد استعظمت لما أُخبرت بذلك أن يكون لله خلق يعصيه [5] .
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 35.
(2) البيت من الوافر في مدح عبد الملك بن مروان، انظر: ديوان جرير 89، ومجاز القرآن 1/ 35، 184، 2/ 118، ومعاني الأخفشن 1/ 219، وجامع البيان 1/ 210، والخصائص 2/ 463، وشرح ابن يعيش 8/ 123، واللسان (نقص) والدر المصون 1/ 254.
(3) النكت 139، 1/ 124 ط الرشد.
(4) انظر: جامع البيان 1/ 165، والبحر 1/ 229.
(5) جامع البيان 1/ 165.