الصفحة 227 من 372

فـ (أو) في قوله (أو كظلمات) جاءت في عطف التشبيهات أو تدل على تخيير السامع أن يشبه بما قبلها وبما بعدها. [1] قال الزجاج إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات ف (أو) للإباحة وقيل للتنوع. فإن أعماله كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة. [2] وقد حدد القرآن الكريم هذا البحر ووصفه باللجي قال النيسابوري (واللجي العميق الكثير منسوب إلى اللج وهو معظم الماء) . [3] وقد أشارت بعض المعاجم إلى بعض دلالات اللج منها قولهم لجة الظلام ولجُ الليل: شدة ظلمته وسواده والتج الظلام اختلط والتبس وهذا المعنى مناسب لما وصل إليه العلم الحديث من اختلاط الظلمات والتباسها كما بينا سابقًا ظلمات الألوان في أعماق البحر العميق إضافة إلى المعاني الأخرى التي يتحملها وصف اللجي من تلاطم الأمواج وخير ما يوضح ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: قال (من ركب البحر إذا التج فقد برَئت منه الذمة) وفسرها ابن منظور أي تلاطمت أمواجه وأيضًا قيل ولج البحر عرضه والماء الكثير الذي لا يدرك طرفاه مما يحدد هذا الوصف وجود هذه الظلمات في البحار العظيمة والتي يعبر عنها حاليًا بالمحيطات فلا توجد هذه الظلمات في الخليج العربي أو البحر الأحمر يقول الدكتور عبد العليم عبد الرحمن حضر [4] : والغريب حقًا أن محمدًا عليه الصلاة والسلام قال بذلك رغم أن ما يحيط بالجزيرة العربية من الشرق وهو الخليج العربي وهو ليس بحرًا لجيًا والبحر الأحمر من الغرب وهو بحر داخلي قليل العمق وبحر العرب من الجنوب وهو الآخر ليس بحرًا لجيًا.

أما الظلمات فقد أشار المحدثون إلى الظلمات الألوان الموجودة في البحر العميق فالظلمات عندهم هو داخل هذه الأعماق وليس كما تصورها قسمٌ من المفسرين بالذي يركب البحر العميق والظلمات عندهم هي ظلمة السحاب وظلمة الليل في ذلك البحر وما يغشاه موج يركب بعضه بعضًا فقوله تعالى موج من فوقه موج (أن الموج لا ينكسر حتى يلحقه موج أخر من فوقه وذلك أبقى لظلمته) . [5] أما العلم الحديث فيحمل معنى الآية كما اكتشف حديثًا (فإنه أثبت فعلًا أن هناك موجًا يعلو أحدهما الآخر: موج فوق البحر اللجي، والموج الثاني فوق البحر القريب وذلك أن البحر ينقسم إلى قسمين بحر سطحي وبحر عميق وبينهما فاصل، وعند هذا الخط الفاصل بينهما ينشأ موج وهذا الموج يغطي البحر العميق، وفوق هذا الموج البحر السطحي يغطيه موج آخر فوقه) . [6] فلو تتبعنا هذه الظلمات في ذلك العمق في بحر لجي يغشاه موج وهو الموج الذي يغطي البحر العميق من فوقه موج الذي يغطي البحر السطحي من فوقه

(1) ينظر 2/ 723.

(2) معاني القرآن وإعرابه 4/ 48 الجامع لأحكام القرآن 12/ 283 أنوار التنزيل 2/ 723.

(3) ينظر النيسابوري 18/ 101 بهامش ابن حرير.

(4) ظواهر جغرافية 33.

(5) ينظر التحرير والتنوير 18/ 256.

(6) العلم الحديث حجة للإنسان أم عليه 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت