الصفحة 234 من 372

صدوع الأرض بملايين الأطنان وتلتقي النيران مع المياه في هذه القيعان بتوازن عجيب لا يطغي أحدهما على الأخر.

وإذا تتبعنا الضابط اللغوي في سياق هذه الآية نجد أن القسم جاء في بداية الآية وهو قوله والطور قيل هو الجبل بالسريانية وغلب علمًا على طور سيناء.

والكتاب المسطور قيل هو القرآن وقيل ألواح موسى أو ما يكتبه الحفظة في الرق المنشور وهو الجلد الذي يكتب فيه والبيت المعمور قيل الكعبة وقيل في السماء وقوله والسقف المرفوع يعني السماء كما في قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا) . [1] ثم قال والبحر المسجور قيل بحار الدنيا ومنهم من حملها على وجود بحار في السماء. [2] لذا فمنهم من حمل هذه الأقسام على ما هو مشاهد ومحسوس في هذه الحياة الدنيا من جبل والقران أو الألواح والكعبة والسماء المرفوعة.

وقد قال ابن الجوزي أقسم الله بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على تعذيب المشركين. [3]

ومن أساليب القرآن التي ذكرناها سابقًا قسم القرآن الكريم بما هو مشاهد محسوس واستدراج الخصم إلى الاعتراف بما يجحد به ليكون الاستدلال أعظم في النفس فهو يشرك الحواس في أدراك ذلك.

لذا يمكن حمل قوله تعالى (والبحر المسجور) بمعنى البحار المتقدة والمشاهدة المحسوسة في هذه الحياة الدنيا وقد جاء هذا المعنى ليخاطب به العلماء وليضيف مشهدا من مشاهد عظمة الله بأن جمع بين الضدين الماء والنار. إضافة إلى ما يحمل قوله تعالى (مسجور) من معنى الاختلاط كما في اختلاط الضدين وكما أشرنا سابقًا إلى اختلاط ماء البحار بماء العذب في البرزخ الفاصل بينهما دون امتزاجهما وقد ذكر الأستاذ الدكتور أنيس الراوي أيضًا بوجود أنهار في أعماق البحار المالحة وهذا يدل على أن قوله تعالى (مسجور) من المشترك اللفظي الذي يحمل معاني عدة أشار إليها العلماء القدماء والمحدثون.

(وإذا اعتمدت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله .. فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني) . [4]

كما أن اسم المفعول في قوله (مسجور) يمكن حمل دلالته الزمنية على الزمن الحالي ويمكن أن يدل أيضًا على المستقبل كما لو قلنا أنت منصور بأذن الله وتريد وقوع الفعل لا محالة بإذن الله وهذا من بلاغة القرآن الكريم فهو يحمل دلالة نفسية عظيمة فالبحر سوف يسجر يومًا من الأيام لا محالة وقد أشار إليه العلماء إلى إمكانية تسجير تلك البحار بما توصل إليه كل حسب اختصاصه فيرى الكونيون أن

(1) الأنبياء / 32.

(2) ينظر جامع البيان 27/ 18 - 20 الجامع لأحكام القرآن 17/ 61 - 62 الدر المنثور 7/ 639 إرشاد العقل السليم 8/ 146 فتح القدير 5/ 94.

(3) زاد المسير 8/ 47.

(4) التبيان في أقسام القرآن 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت