العصر الحالي قد توصلت إلى نفس الحقيقة التي طرقتها الآية قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا فالكفار يفترض بناء على اعتقادهم على مقررات العلوم العصرية أنهم يؤمنون بذلك أيضًا .. أن هؤلاء رأوا عن علم وتحقق شيئًا يستدعي اليقين، فلو أنهم كانوا جادين في عتمادهم على مقررات العلوم العصرية وجدها بدل الغيب لآمنوا بكلام الله عز وجل بدون تردد وبلا تلكؤ بعد أن رأوا التعاضد الوثيق بينه وبين المقررات العصرية التي يعتبرونها هم أنفسهم شيئًا يعتمد عليه ... ) [1] وكذلك فسر هذه الرؤية بالعلم الدكتور عبد العزيز عزام [2] وغيرهم، ومنهم من فسر الرؤية هنا بالرؤية البصرية وأكثر من فسرها بالرؤية البصرية هم المحدثون أصحاب التفسير العلمي فقد ذكر الدكتور فاروق الشيخ أن (يرى) فعل مضارع وهي نزلت قبل (14) قرنًا وكأني بكل الذين كفروا من الذين عاشوا تلك القرون الطويلة يقولون: لا إننا لم نرَ السماوات والأرض كانتا رتقًا، فمن أين جئت بهذا الحديث يا محمد؛ ولكن العلماء الفلكيون في النصف الثاني من القرن العشرين لا يستطيعون أن يقولوا كما قال الكفار من قبلهم بل أنهم مقتنعون تمامًا بأن الذي جاءت به هذه الآية الكريمة هو الصواب بعد أن راقبوا الفضاء الخارجي بالمناظير العملاقة ولفترات طويلة مستمرة ولعل أوضح شيْ هو الذي جاء به المنظار العملاق ... (( هابل ) )الذي صور وبشكل ملون كيف تكونت الكواكب والأجرام السماوية في الأفق البعيد [3] . كما أول طنطاوي جوهري [4] قوله تعالى: {أولَمَ ير ألذين كٌفرَوا} بأنه كأنه يقول سيرى الذين كفروا فهو وإن ذكرها بلفظ الماضي فقد قصد منه المستقبل كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) [5] والذي يبدو أن هناك فرقًا بين الأسلوبين فالأول أسلوب إنكاري يشمل جميع الذين كفروا في زماننا هذا ووقت نزول القرآن (وأتى أمر الله) أسلوب يختلف عن الأول وإن جاء بلفظ الماضي ويقصد به المستقبل ولم يلحظ في القرآن الكريم استعمال قوله تعالى (أولم تر) أو (ألم ير) وبقصد به المستقبل فقط دون الحال أو الماضي وكيف يمكن أن يستعمل القرآن أسلوبًا إنكاريًا وهو لم يرهم بعد آياته ويقيم الحجة عليهم وأنه خطاب صالح لكل زمان ومكان. وقد جوز ابن عطية [6] أن تكون الرؤية علمية وبصرية وجعلها علمية أولى وكذلك ابن عاشور [7] فقد ذكر أن الرؤية تحتمل أن تكون بصرية وأن تكون علمية. والاستفهام صالح لأنه يتوجه إلى كلتيهما؛ لأن إهمال النظر في المشاهد الدالة على علم ما ينقذ علمه من التورط في العقائد الضالة حقيق بالإنكار، وإنكار اعمال الفكر في دلالة الأشياء على لوازمها حتى لا يقع أحد في الضلال، جدير أيضًا بالإنكار أو بالتقرير المشوب بإنكار (الذين كفروا) ذكر الدكتور عبد العزيز
(1) القرآن يفك لغز الأرض 32.
(2) في الإسلام والعلم والحياة 119.
(3) نظرة علمية للكتب السماوية / الجزء الأول الإعجاز العلمي والطبي في القرآن المجيد / 57.
(4) الجواهر 10/ 207.
(5) النحل / 1.
(6) المحرر الوجيز 10/ 141 - 142.
(7) التحرير والتنوير 17/ 53.