الصفحة 15 من 26

وتستمدّ الحركة السابقة سرعتها القصوى من قوة الاستعارة التي تفيدها لفظة (تهوي) ، ولو قيل:"تحِنّ إليهم لم يكن من الفائدة ما في قوله سبحانه: (تهوي إليهم) ، لأنّ الحنين قد يُوصف به من هو مقيمٌ في مكان، والهوّي يفيد انزعاج الهاوي من مستقره" [1] .

ومن الحركات السريعة قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بَنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانَهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [2] .

إذ إن لفظة (فانهار) تلقي في الخيال ظلَّ بنيانٍ شاهقٍ يتمايل، لأنّ أسسه على حافة جارفٍ آيلٍ للسقوط بسرعة في أي لحظة، وللقارئ أن يلحظ التجانس الصوتي بين الألفاظ (هار) و (انهار) و (نار) ، وكذلك خفة الصوتين (الهاء) و (الألف) الذَّيْنِ تكرّرا ثلاث مرات على مساحةٍ قريبة في إشارةٍ إلى خفة البنيان وقتَ تهاويه، ثمّ له أن يلحظ معنا إلى طيّ الزمن وقصر المدى حين جاء التعبير عن حركة الانهيار السريع والمفاجئ بحرف (الفاء) دون (ثم) ، وكأنّ الزمن قصيرٌ، إن لم نقل غائب، بين عملية التأرجح وحركة السقوط، وفي هذا إيحاءٌ بقصر الحياة المبنية على غير تقوى من الله مهما بدت في عين صاحبها طويلة مديدة.

وأحيانًا يمزج التعبير القرآني بين حركتين، سريعة وقوية، لرسم أبعاد الصورة برمتها ولإضفاء لونٍ من الجمالية على التعبير، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيْصَهُ مِنْ دُبُرٍ} [3] .

لعلّ الخصيصة الأساسية الملحوظة في الصورة هي حركتها الخارجية التي تُدخِلنا إلى العالم الذي دارت فيه الأحداث، وهذه الحركة تبثّها في هذا الموقف كلمتا (استبقا) و (قدَّت) ، فالخيال يستطيع أن يتابع الحركة المصوَّرة من خلال لفظة (استبقا) ، إذ إن الدلالة الإيحائية للفظ تتجسّد في إسراع زوج العزيز مدفوعةً بحمى الشهوة المحرّمة، ويوسف - عليه السلام - يفرّ من المرأة بعد المواجهة المباشرة بينهما، وفراره هذا حركة دفاعية ليهرب منها، وهي بدورها تلاحقه في حركة سريعة لاهثة لتردّه إلى نفسها، كما إنّ الخيال يملك أن يتصور حجم قوة الحركة لصيغة الفعل المضعَّف (قدَّ) والتي تعني"القطعُ المُستأصِل والشقّ طوُلًا" [4] ، مما يدلّ على قوة الحركة المحكمة، وفي هذه الحالة تدخّلت الحركة لتصوِّر الإحساس بالتهديد أو الاعتداء السافر، وقد تأكدت السرعة أيضًا عبر الحركة الحسية القوية القائمة في الصورة، وذلك بادٍ في تعلق المرأة بقميصه وجذبه إيّاه، وتسهم الأضواءُ مباشرةً في تصوير الموقف بما تسبغه على شخصية امرأة العزيز من نهم وشراسة.

ولو تأملنا هذه اللغة الحركية التي انتظمت في الآية لأدركنا أنّ جمالية الصورة تكمن فيما تثيره تلك الحركات المتتابعة في النفس من عواطف وانفعالات، وبهذا الإحساس الذاتي وحده يكون إدراك الجمال وتقديره،

(1) تلخيص البيان في مجازات القرآن: 184.

(2) سورة التوبة، الآية: 109.

(3) سورة يوسف، الآية: 25.

(4) لسان العرب: 5/ 3543.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت