الصفحة 3 من 26

* فاعلية الحركة في الخطاب الأدبي

فإذا كانت سيمياء السكون تكمن في الإشارة إلى الجمود والثبات والهدوء، فإنّ سيمياء الحركة تكمن في الدلالة على الحياة والنشاط والانفعال، إذ إنّها"مظهر من مظاهر الوجود الحي ... وهي سمة الكائنات الحية، فالحركة حياة والسكون موت، كما تؤكد حركةُ الوجود بثَّ الروح فيه وطواعيته للخالق عزّوجل، وهي ليست حركة عمياء، بل قُدَّر لها كلّ شئ" [1] ، واللغة قادرةٌ على استيعاب النشاط الحركي وتغليفه في الألفاظ والعبارات مقترنة بالجانب الإيحائي، ومهمة الحركة في اللغة هي"توظيف المشاعر والتأثير فيها، لأنّ اللغة في حركتها إنما تثير الحسّ الجمالي لدى الإنسان، ويزداد الحسّ إثارةً كلما تواصلت حركة اللغة التي تولد بدورها الانفعال والمتعة في آنٍ واحد، الانفعال بدلالة الكلمة، والمتعة بجمال دلالاتها التي تضفي على النفس هالةً من الأطياف والانبعاث والنشاط، وبما تلقي فيها من إيحاءات وتخيّلات ذهنية وفكرية ونفسية، تتحرك معها عواطف الإنسان" [2] ، ومن ثمَّ فإنّ وظيفة الحركة في اللغة العليا تتعدَّى التعبير المجرّد إلى تصوير العواطف وتجسيد الخواطر وإثارة المشاعر وإحداث الانفعال عبر الانتقالات الذهنية التي تحدثها الألفاظ الحركية في المتلقي، و"الحركة مرصودةٌ في الفن القولي منذ أن كان، وذلك لاتصافه قبل كلّ شئٍ بطابع الزمان، ولتعبيره عن الأفكار متحركة باللغة الحقيقية والمجازية، لأنّ المبدع لا يجمّد الحركة التي يتلقّاها، بل يسعى إلى بثّ المعنوي في الحسي والتماس الإيحاءات وربطها بعدئذٍ بالفكرة، إذ يقتنع العقل بما يقول، وتنبسط لديه القلوب" [3] .

وإذا تتبعنا آراء القدماء والمحدثين في هذا المضمار، نجد أنّ الجرجاني (471هـ) قد تطرّق إلى جمالية الحركة في بحثه عن التشبيه، إذ يقول:"إنّ ممّا يزدادُ به التشبيه دقةً وسحرًا أن يجئ في الهيئات التي تقع عليها الحركات، والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين: أحدهما أن تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما، والثاني أن تُجرّد هيئة الحركة حتى لا يُراد غيرها" [4] ، واستشهد الجرجاني على الوجه الأول بقول الشاعر: والشَّمسُ كَالمِرآة في كفِّ الأشلْ [5] ، وقال معلِّقًا عليه:"أراد أن يُريك مع الشكل الذي هو الاستدارة، ومع الاشراق والتلألؤ على الجملة، الحركةَ التي تراها للشمس إذا أنعمتَ التأمل، ثم ما يحصل في نورها من أجل تلك الحركة" [6] ، فالحركة هنا ليست خالصة لأنّها تختلط باشراقة اللون واستدارة الشكل، وقد تكون الحركة خالصة حين لا تختلط بغيرها، وهذا هو الوجه الثاني الذي يقول عنه الجرجاني:"وأمّا هيئة الحركة مجردةً من كل وصفٍ يكون في الجسم، فيقع فيها نوعٌ من التركيب، بأن يكون للجسم حركاتٌ في جهاتٍ مختلفة، نحو أن بعضها يتحرك إلى يمين، والبعض يتحرك إلى شمال، وبعضٌ إلى فوق، وبعض الى قُدّام ونحو ذلك، وكلّما كان"

(1) جماليات المفردة القرآنية: 149.

(2) جماليات اللغة وغنى دلالاتها من الوجهة العقيدية والفنية والفكرية: 287ـ288.

(3) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف: 641ـ642.

(4) أسرار البلاغة: 180.

(5) من أراجيز جبار بن جَزْء بن ضِرار، ابن أخي الشماخ، وهو في ديوان الشماخ: 394.

(6) أسرار البلاغة: 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت