التفاوت في الجهات التي تتحرّك أبعاض الجسم إليها أشدّ، كان التركيب في هيئة المتحرّك أكبر، فحركة الرّحا والدُولاب وحركةُ السهم لا تركيب فيها، لأنّ الجهة واحدة، ولكن في حركة المصحف في قوله:
فكأنَّ البَرْقَ مُصْحفُ قارٍ ... فانطِباقًا مرَّةً وانفِتاحَا [1]
تركيبٌ، لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأولى" [2] ، يرى الجرجانى أنّ الحركة في قول الشاعر تلفت الانتباه لكونها تتسم بالتضاد في الاتجاه، وفي اجتماع الضدين على أتمه يكمن الجمال والحسن، ولا يعني هذا أن الجرجاني ينفي جمالية تسكين الصور المتحركة إذا ما أحدثت الغرابة والطرافة في المتلقي، وفي شواهده ما ينهض دليلًا على ذلك، وأيًّا كان الأمر"فإنّ ما لحظه الجرجاني من قيمة الحركة في الصورة يجعل منه ناقدًا حصيفًا دقيق الملاحظة قريبًا إلى النقد الجمالي الحديث في نظراته" [3] ، وترسّم الخطيب القزويني (739هـ) خُطى الجرجاني فأشاد بدور الحركة في التصوير قائلًا:"ومن بديع المركّب الحسي ما يجئ في الهيئات التي تقع عليها الحركة" [4] ."
ويرى البلاغيون الجدد في التقاط الحركة إمارةً على عبقرية الأديب ونفاذ بصيرته إلى باطن الأشياء رابطين هذا النبوغ بالمنزع النفسي، إذ أشار أحدهم إلى ذلك بقوله:"ووصف الحركة من بديع التشبيهات وجليلها، لأنّ التقاطها وهي جادة في حركتها واضطرابها، دليلُ المقدرة والوعي وقوة الملاحظة، ثم تصويرها وهي تتحرك يعني المحافظة على هذه الحركة الحية الباعثة للنفس، والتي تنفي عنها ملل الجمود ملكة أخرى" [5] ، ويضيف إلى ذلك"أنّ مزية العبارة في قدرتها على الإحاطة بالحركة مع وفرتها وتراكبها، ثم بلوغها بالصورة قرار النفس" [6] ، ويذهب العقاد ـ أثناء تعليقه على أبيات لابن الرومي ـ إلى أنّ الحركة جزءٌ من التصوير لا ينهض به إلاّ أصحاب المواهب من الأدباء، فيقول:"إنّما التصوير لون وشكل، ومعنى وحركة، وقد تكون الحركة أصعب ما فيه، لأنَّ تمثيلها يتوقف على ملكة الناظر، ولا يتوقف على ما يراه بعينه ويدركه بظاهر حسه، ولكن تمثُّل هذه الحركة المستصعبة كان أسهل شيئ على ابن الرومي، وأطوعَه وأجراه على ما يريد من جدّ أو هزل، وحزن أو سرور" [7] .
ويربط التنظير النقدي المعاصر جمالية الحركة بالجانب النفسي والاحساس بالعواطف، فهذا (جويو) يقول:"الجمالُ الأسمى في الحركات مستمدٌ إذن من غير الحركات، إنّه يأتي من فوق، يأتي من أفق الإرادة والعواطف، ولكي نجد تعليله الصحيح فلا بُدَّ من الصعود إلى هذا الأفق، أفق الإرادة والعواطف" [8] ، فالحركة
(1) ديوان عبدالله بن المعتز: 121.
(2) أسرار البلاغة: 182.
(3) تأريخ النقد الأدبي عند العرب: 441.
(4) الإيضاح في علوم البلاغة: 346.
(5) التصوير البياني ـ دراسة تحليلية لمسائل البيان: 66.
(6) م. ن: 67.
(7) ابن الرومي حياته من شعره: 309.
(8) مسائل فلسفة الفن المعاصرة: 59.