ليست الحركة القرآنية على نمطٍ واحدٍ، بل تنوّعت حسب الموقف الشعوري والسياق الذي ترد فيه، فهي سريعة قوية حينًا، وبطيئة هادئة حينًا آخر، تُعرَض في جانبها المادي البحت مرةً، وتُكتَفى بعرض جانبها النفسي مرةً أخرى، ويختار القرآن لكلّ هذه الأنواع أنسب الألفاظ وأدلّها على المراد حتى تكتسب الحركة في مناسبتها تلك دورَها الإيجابي في إقناع العقل الإنساني إلى جانب جمالياتها التي تستقر بسحرها في الأعماق، ونقتصر الحديثَ في تلكم الأنماط على:
1ـ الحركة السريعة والحركة البطيئة
يوظّف الخطاب القرآني الحركةَ السريعة في مقامٍ يتطلب السرعة ويستدعيها، ويكثر ذلك في مشاهد القيامة ومناظرها المرسومة، إذ لم تعد تلك المشاهد موصوفة فحسب، بل عادت حية متحركة تخفق معها قلوب المؤمنين تارةً لما يرون من آياتِ العذاب، ويعاودهم الاطمئنان تارةً أخرى لما يرون من نعيم الله وجزيل ثوابه، من ذلك هذا المشهد الذي يعتمد في تصويره على الحركة السريعة، قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [1] .
يرِد السعي في مدلوله اللغوي بمعنى المشي السريع، وهو دون العَدْو [2] ، وهذه السرعة الملحوظة في حركة السعي تناسب الإسراع بالمؤمنين إلى دخول الجنة أكثر من الحركة التي تتضمنها لفظتا (السير) أو (المشي) ، لما في دلالاتهما من التباطؤ الذي لا ينسجم مع موقف التكريم والترحيب.
ولا يخفى ما تؤديه صيغة المضارع (يسعى) من استحضار الصورة، وكأنها ماثلة أمام الأعين مع أنها موغلة في عمق الغيب، وإنّ الخيال ليرتادُ آفاق الصورة ليتتبَّع حركتها، ثم يرتدّ إلى النفس، فيغمرها بالجلال ويملأها بالاشتياق العارم إلى الجنة.
وممّا هو بهذا السبيل قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم - عليه السلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيْمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} . [3]
إنّ شعور النبي إبراهيم - عليه السلام - بحاجته الماسّة إلى معونة الله دعاه أن يتوجّه إليه بالدعاء، وهو دأب الأنبياء والصالحين، فلقد أسكنَ إبراهيم - عليه السلام - أهله في وادٍ مجدبِ مقفر مجاور للبيت الحرام، وما دعاؤه إلاّ طلب لتأنيس مكانهم بكثرة تردّد الزائرين عليهم، واللافت في النص هو ما تشير إليه لفظة (تهوي) من حركة سريعةٍ مكتظّة بحرارة القلوب التي تكادُ تطير نحو هذا المكان شوقًا ومحبةً، يقول البقاعي (885هـ) :"تُسرِع نحوهم برغبة وشوق إسراعَ مَنْ ينزل من حالقٍ، وزاد المعنى وضوحًا وأكّده بحرف الغاية الدالّ على بُعدٍ، لأنّ الشئ كلّما بعُدَ مدى مرماه اشتدَّ وقعُه". [4]
(1) سورة الحديد، الآية: 12.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 411.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 37.
(4) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: 4/ 191.