ويمتدّ التشخيص إلى عالم الغيب، إلى نارِ جهنم، فتنتفضُ مخلوقة عاقلة تتهيؤ للقيام بحركة التوثّب والانتقام من الكفار الذين يُلقون إليها، ويتجلّى ذلك في قوله تعالى: {إِذَا أُلْقُوا فِيْهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيْقًا وَهِيَ تَفُورُ - تَكَادُ تَمَيَّّزُ مِنَ الْغَيْظِ} [1] .
النارُ هنا صارت إنسانًا حانقًا على المكذّبين الضّالين، غاضبًا عليهم كأشدّ ما يكون عليه المغتاظ من شدّة في النفس، ورغبة في الاستئصال، وحقدٍ يملأ الجوانح، حتى كادت أوصاله تتمزَّق من كثرة الحقد والغيظ، وقوة الغليان، ولقد أجاد أحدُ الباحثين في التعبير عن جمالية هذه الحركة المشخّصة بقوله:"إنّ تشخيص جهنم هو الذي يجعل المشهد حافلًا بالحياة والحركة، فهي مُغيظة محنقة تحاول أن تكظم غيظَها حين أُلقي إليها المجرمون، ولكأنَّ منظرَهم البَشَعَ كان أشدَّ من أن تتحَمّلَهُ، وتصبر عليه، فَتَلقّّتْهُم بألسنة لهبِها وهي تَئِزُّ وتشهَق، وبِمُهلها وقَطِرانها وهي تغلي وتفور، حتى كاد صدرها ينفجر حقدًا عليهم، ومقتًا لوجوههم السُّود، فليس في الآية استعارة معقول لمحسوس فقط، وإنّما استُعيرت لجهنم شخصية آدمية لها إنفعالات وجدانية، وخلجات عاطفية، فهي تشهق شهيق الباكين، وهي تغضب وتثور، وهي ذاتُ نفس حادَّة الشعور" [2] .
ففي الآية ألوان من الحركة لها دلالاتها الفنية في إثبات الغرض الديني، فهناك حركة الإلقاء التي توحي بضآلة قدر الكفرة على ربّهم، حيث نلمح فيها العنف وعدم المبالاة والمداهمة، وهناك حركة الصوت المتمثل بالشهيق والبكاء للدلالة على إحساس النار بالضيق بالمجرمين وهم في الطريق إليها، وهناك حركة الفوران في إشارة إلى رغبة النار في التوسّع وتطاير شررها، بل إلقاء لهيبها على من حولها، وكلّ هذا يتضافر مع عملية التشخيص التي تمنح"طاقة كبرى على التصور، وتنشئ الكثير من التآلف مع الأشياء، إذ تصعد إلى مرتبة الإنسان سيّد الكون، وهي عملية فنية لا يقصد بها الحقيقة في فن القول، لأنّ هذا يغدو وهمًا وإسفافًا، بل تعدّ تجربة محضة تسبغ الطابع البشري على الجمادات والمجردات، لتُعطيهما فاعلية لم تكن تعهد لهما، وحركة قوية عاقلة راقية ليست في الأصل من مستلزماتهما" [3] .
يتبيّن لنا ممّا تقدّم أنّ التشخيص في التعبير القرآني يضفي الحياة على الجمادات من خلال بثّ الحركة فيها، وذلك بما تمدّه الألفاظ من انفعال بدلالة الكلمة، ومتعةٍ بجمال حركتها، ومنّ ثمّ دورها في إثارة المتلقي بما تلقي في ذهنه من إيحاءاتٍ تثير الوجدان وتحرّك الخيال، بل تنتقل به من أفقٍ إلى أفقٍ حتى يشعر بغير قليلٍ من الأنس في انتقالاته في عالم مغاير لعالمه المألوف، وادراكًا من القرآن الكريم لحاجة المتلقي الروحية والنفسية إلى هذا الفن الحركي يكثر من استعماله في عديدٍ من آياته البّينات [4] .
(1) سورة الملك، الآيتان: 7 ـ 8.
(2) مباحث في علوم القرآن: 325.
(3) الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف: 468.
(4) للاستزادة من حركية التشخيص تنظر شواهد أخرى في: سورة الأعراف، الآية: 154، وسورة هود، الآية: 44،74، وسورة الرعد، الآية: 15، وسورة الحجر، الآية: 22، وسورة الأنبياء، الآية: 33، وسورة الحج، الآية: 30، وسورة الفرقان، الآيات: 12، 45ـ46، وسورة الأحزاب، الآيتان: 19،72، وسورة يس، الآية: 40، وسورة فصلت، الآية: 11، وسورة ق، الآية:30، وسورة المعارج، الآيات: 15ـ18، وسورة الحاقة، الآية: 11، وسورة المزمل، الآية: 14، وسورة الفجر، الآية: 4، وسورة الزلزلة، الآية: 4.