اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِيْنَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ - وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [1] .
على الرغم من أنّ العلامة اللغوية (خاشعة) تشير إلى دلالة السكون في هذا السياق إلا أننا نلمح فيها حركة نفسية عبادية تقوم بها الأرض في صورة الناسك العابد المتذلّل، و"جِيء بالأرض في هذا المشهد، شخصًا من شخوص المشهد، تشارك فيه بالشعور المناسب وبالحركة المناسبة ... ولفظتا (اهتزت وربت) تخيّلان حركةً للأرض بعد خشوعها، وهذه الحركة هي المقصودة هنا، لأنّ كلّ ما في المشهد يتحرك حركة العبادة، فلم يكن من المناسب أن تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزت لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم، ولكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكنًا، وكلّ الأجزاء تتحرك من حوله، وهذا لونٌ من الدقة في تناسق الحركة المتخيلة يسمو على كل تقدير" [2] ، ولا شكّ في أنّ لاختيار (خاشعة) بدلًا من (ساكنة) قيمته التعبيرية في الإيحاء بخشوع الأرض وشكرها لربّها وسطَ حشدٍ من المخلوقات والملائكة والناس يسجدون ويسبّحون ويتعبّدون، والخشوع من سمات الإنسان العابد، وانتقل على سبيل الاستعارة للأرض، بَيْدَ أن هذا الخشوع لا يدوم طويلًا، إذ سرعان ما استحال حركةً ملحوظةً يسجّلها القرآن بلفظتين اثنتين، وهما (اهتزت) و (ربت) ، و"الأولى تجسّد حركة الأرض في أول ظهور النبت مقابل خشوعها قبل نزول الماء عليها، أمّا الثانية فتجسّد اتساع الحركة، أي نمو النبات واستمراريته" [3] ، هكذا تغدو الأرض، وهي خاشعة لا حياة فيها ولا روح، كائنًا حيًا تدبُّ فيها الحركة بنزول المطر عليها، فتشرب وتنتفخ، ثمَّ تربو وتتفتّح بالحياة.
والليل والنهار شخصان ذوَا إرادة وحركة وهدف مرسوم في قوله تعالى: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيْثًا} [4] .
الليل في سباقٍ محمومٍ مع النهار، لكن مهما أسرع في طلبه فلن يدركه، ومع ذلك فلا يتوقف عن الحركة، فهما يتسابقان في حلبة السباق دون أن يلحق الليل بالنهار أو يسبقه، وكأنّ للّيل على النهار حقًا يطالبه به، فيسرع وراءَه عسى أن يأخذه بحقه.
إنّ الحركة المتخيلة لليل وهو يعقب النهار ويحرص على اللحاق به دالةٌ على السرعة والاستعجال في الطلب، والتشخيص هو الذي جعل للتعبير جماله، ويخيل للانسان أنّه يشهد المنظر في لحظته، مشهد الطبيعة الصامتة بكل ما فيه من جمال، جمال الحركة الظاهرة في هذا النظام الحثيث الدائب، وحركة الليل وهو يسعى بلا هوادة ليدرك النهار، تلك الحركة التي تمرّ عليها العيون في غفلةٍ لتراها من جديد بالبداهة الملهمة والحسّ البصير.
(1) سورة فصلت، الآيات: 37ـ39.
(2) في ظلال القرآن:5/ 3125ـ 3126.
(3) دراسات فنية في سور القرآن (الأنترنيت) : دون ترقيم الصفحة.
(4) سورة الأعراف، الآية: 54.