ولا يكفّ الليل عن حركته تلك حتى تبدأ حركة الصبح في إشراقته الوديعة الهادئة، حيث استحال الصبحُ ذاتًا عاقلةً تعي وتتحرك وتتنفّس مثلما يتنفس الأحياء والكائنات، والحركةُ الممنوحةُ للصبح في النص تقترن بإطلالة النور على الكون وبإعادة الحياة من جديد إلى الكائنات، وكأنّما الدنيا كلّها طائرٌ يستيقظ في الصباح الباكر، ويبدأ بالتنفس فيغدو صائحًا طروبًا.
ويرى الشريف الرضي (406هـ) أنّ التنفس"عبارةٌ عن خروج ضوء الصبح عن عموم غسق الليل، فكأنه متنفسّ من كربٍ أو متروح من همّ" [1] ، وكأنّنا به يشير إلى أنّ الليل المظلم يثير في النفس وحشةً قاتلة ووطأة ثقيلة بسكونه الذي لا يريم، فلا بُدّ من الترويح عن النفس الإنسانية بإطلاق العنان للخيال ليتصّور حركة الصبح المنبئة عن حركة الحياة واستمرارها.
لقد غدا الصبح كائنًا حيًّا، ومن قبله كان صامتًا جامدًا لا حياةَ فيه ولا نبضَ، ومكّنتِ الاستعارةٌ في (تنفس) أن ترفد التعبيرَ بدلالة أسلوبية لها أبعادها الجمالية في رصد الحركة التي تدبّ في الكون شيئًا فشيئًا، فإذا الكون يصحو من نوم كا ن يغطّ فيه، وتدّب فيه الحياة، وطبيعة الحركة تلقي في النفس إحساسًا بالانشراح، حيث خفة وقعها وهمسها يتركان أثرًا جليًا في الإحساس بالهدوء والاطمئنان.
والأرض جمادٌ لا إرادة لها، لكنها تستجيب لإرادتها وحركتها الطوعية بفضل التشخيص في قوله تعالى: {إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [2] .
استحالت الأرض صاحبة الوعي والحركة،"وقد شُخِّصَتْ مرتين، وقامت بحركتين، إذ أخذت بنفسها زخرفها، كما تفعل العروسُ في يوم جَلْوَتِها، وتطلَّبَتِ الزينة تطلّبًا، وسعت إليها سعيًا، فلم تُزَيَّنْ، ولكنها ازّينت" [3] ، فأهل العروس وأحبابها هم من يقومون بحركة التزيين يومَ يزفّونها إلى زوجها، لكن الأرض تقوم بعملية التزيين هي لا أهلها الذين ظنّوا أنهم قادرون عليها يومًا ما.
ولا يخلو النص من حركات أخرى، في غير التشخيص، فهناك حركة الماء النازل من السماء، وهناك حركة النَّبْت الطالع من الأرض، تقابلهما حركةٌ داخل النفوس، وهي حركة الفرحة الغامرة للقوم حين يظنون أنهم مالكون من أمر الأرض شيئًا، وأنهم أصحاب الأمر والسلطان فيها، ثمّ هناك حركة الحصيد يصحبها صوت حزين على زوال البهجة في ومضة.
وتستعيد الأرضُ نشاطَها وحركتها بعدما كانت ساكنة هامدة، قال تعالى: ومن آيَاتِهِ الَّليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّه الّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ - فَإِنِ
(1) تلخيص البيان في مجازات القرآن: 360.
(2) سورة يونس، الآية: 24.
(3) مباحث في علوم القرآن: 326.