الحياة، بشكل كائن حيّ، متميز بالشعور ومتصف بالحركة والحياة [1] ، وتُستشَف جمالية التشخيص في كونه"يُلقِي الطمأنينة في نفس القارئ، عندما يُقدَّم له مثيلُه في رفع مستوى الأشياء، فيتلاشى الشعور بالغربة والانعزال ... وفائدتُه أنّه يمتلك مخزونًا مؤثّرًا في توسيع رُقعة الخيال لدى المتلقي" [2] ، فإنزالُ ما لا يُعقَل منزلة العاقل، وتحريكُ ما ليس من شأنه الحركة في التصوير"يهبُ للجماد العقلَ والحياة، زيادةً في تصوير المعنى وتمثيله في النفس" [3] ، ويرى أحدُ البلاغيين المعاصرين أنّ"التشخيص ينقل الصورةَ من مجردِّ الإخبار الذي يحتمل الصدق والكذب إلى تخيُلّ مشاهدة أحداثها ووقائعها، مما يُوهِم أنّ ما هو مبنيٌ على الظنّ أصبح يقينًا" [4] ، فالتشخيص ناتج عن إنشاء علاقات جديدة بين الوحدات اللغوية في إطار الذات والموضوع، وقد لاحظ أحدُ النقاد أنّ"التجسيم والتشخيص يتعمقان بناء اللغة وضمائرها وأفعالها وصفاتها التي ترد علينا ورودًا طبيعيًا لا شيةَ فيه من صنعة أو أناقة" [5] ، ثمّ بيّن هذا الناقد مزايا التشخيص في التعبير الأدبي بقوله:"والتشخيص ذو قدرة على التكثيف والاقتصاد والايجاز" [6] .
ويعمد البيان القرآني إلى توظيف هذا الفن حتى يُرِيَ المتلقي آفاقًا رحبة وعوالم ناطقة، يُريه الأشياءَ من حوله والمعاني المجردة أشخاصًا يتحركون وينفعلون ويتفكّرون، وهذه الحركة الواعية من شأنها أن تثير الأنسَ والجمال والارتياح في النفوس عن طريق خلق المشاركة الوجدانية بين المتلقي وما يُشخَّص، وذلك موكولٌ بما يمتلكه التشخيص من قدرة على إلهاب الحواس وتحريك الوجدان وإحداث المفاجأة الفنية الباحثة عن الرابطة بين أصل المعنى والتعبير الحركي المشخَّص.
يضفي القرآن الحياةَ والحركةَ على الكواكب وعلى الليل والنهار إظلامًا وإصباحًا: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ - الْجَوَارِ الكُنَّسِ - وَالَّليْلِ اِذَا عَسْعَسَ - وَالصُّبْحِ اِذَا تَنَفَّسَ} [7] .
أكسبَ التشخيصُ الكواكبَ في السماء حركةً رشيقةً تشبه حركة الظباء حين تختفي في كناسها لتظهر من جهة أخرى،"فهناك حياةٌ تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب، وهناك إيحاءٌ شعوري بالجمال في حركتها، في اختفائها وفي ظهورها، في تواريها وفي سفورها، في جريها وفي عودتها، يقابله إيحاءٌ بالجمال في شكل اللفظ وجرسه" [8] ، أمّا الليل فلا يظلم، بل يعسّ في الظلام في حركة بطيئة وئيدة تخيّل للمتلقي أنّها خطوات إنسانٍ يشقّ الظلمة على رِسْله عن وعي وإدراك، فهو يمدّ يده حينًا، ويرفع رجله حينًا آخر عندما يحاول الولوج، ويمكننا الاستئناس بالمنظومة الصوتية للفظ (عسعس) للدلالة على بطء هذه الحركة.
(1) المعجم الأدبي: 67، وينظر: تحاليل أسلوبية: 133، وجماليات الأسلوب والتلقي: 50.
(2) جماليات المفردة القرآنية: 141.
(3) من بلاغة القرآن: 169.
(4) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 178.
(5) الصورة الأدبية: 135.
(6) م. ن: 136.
(7) سورة التكوير، الآيات: 15ـ 18.
(8) في ظلال القرآن: 6/ 3839.