الصفحة 9 من 26

وقد تمنح الاستعارةُ الفعليةُ زخمًا حركيًا فذًّا للصورة الفنية، مثلما ورد في قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [1] .

الصورة الاستعارية تستمد خصوصيتها الحركية من اضطراب أمواج البحر وتلاطمها معبّرةً من خلالها عن حركة الناس يوم البعث من القبور أو حركة يأجوج ومأجوج في حال انهيار السدّ، فالاستعارة مكنية، إذ حُذِف المشبّه (البحر) ورُمِز إليه بشئٍ من خواصّه وهو (التموّج) ، وأولّ ما يلفت الذهن من لفظ الاستعارة هو الحركة المضطربة الدالّة على التدافع الشديد وجولان بعضهم في بعض من غير تعقل ولا نظام، و"لعلّ أشدّ الاستعارات تأثيرًا هي الاستعارات الديناميكية التي تتميز بحركة تجعلها متحولة متوالدة، فبدلًا من أن تتبلور في مجاز أو رمز تعبيرًا عن علاقات ذهنية من تلك التي تهدف إلى إحراز التقدير الجمالي، فإنّ الصورة الديناميكية تؤدي إلى توليد حركة تفضي إلى سلسلة أخرى من الصور" [2] ، وثمة في القرآن وفرٌ من الصور الحركية لكننا اكتفينا بهذا القدر تجنبًا من الإطالة [3] .

2ـ حركية التشخيص

التشخيص مأخوذٌ في اللغة من (شَخَصَ) ، وهو يدلّ على الارتفاع والوضوح البصري الشاخص، يقول ابن منظور (711هـ) :"شَخَصَ بَصَرُ فُلانٍ، فهو شاخِصٌ، إذا فتح عينَيْه وجعل لا يَطْرِف، وشُخُوصُ البصرِ ارتفاعُ الأجفان إلى فوق و تحديدُ النظرِ وانزعاجُه" [4] ، والشخص يُطلَق على الإنسان وغيره إذا رأيتَه من بعيد، ويلحّ الزبيدي (1205هـ) على دلالة الارتفاع للشخوص فيقول:"شَخَصَ مِن بلدٍ إلى بلد يشخَصُ شخوصًا: ذهب، وقيل: سار في ارتفاع، وشَخَصَ النجم: طَلَع، وشَخَصَتِ الكلمةُ من الفم إذا ارتفعت نحو الحنك الأعلى" [5] .

من خلال هذه الوقفة عند المدلول اللغوي للفظة التشخيص يبدو أنّ جُلَّ معانيها تلتقي عند الظهور والوضوح والمثول، وهذا يقرّبنا من مصطلح التشخيص [6] في مضمار الأدب، إذ يُعرف بأنّه ارتفاع الأشياء إلى مرتبة الإنسان مستعيرةً صفاتِه ومشاعرَه [7] ، وعليه فإنّ التشخيص في مقدوره أن يُبرز الجمادَ، أو المجردَ من

(1) سورة الكهف، الآية: 99.

(2) علم الأسلوب مبادؤه وإجراءاته: 259.

(3) تنظر: سورة البقرة، الآية: 19، وسورة آل عمران، الآية: 117، وسورة الأنعام، الآية: 44، وسورة الأعراف، الآية: 133، وسورة التوبة، الآية: 127، وسورة القمر، الآية: 11، وسورة الإسراء، الآية: 24، وسورة السبأ، الآية: 48، وسورة الكهف، الآية: 17، وسورة هود، الآية: 42، وسورة يونس، الآية: 22، وسورة الرعد، الآيتان: 12 ـ13، وسورة طه، الآية: 39، وسورة إبراهيم، الآية: 18.

(4) لسان العرب: 4/ 2212.

(5) تاج العروس: 2/ 401.

(6) هناك تسميات متعددة لهذا المفهوم في النقد الأدبي الحديث منها: المغالطة الوجدانية، والإنطاق، والتجسيد، والتجسيم، والأنسنة، والتأنيس، لكن الشائع في الأوساط الأدبية هو التشخيص، ينظر: الألفاظ والأساليب: 3/ 25.

(7) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت