الصفحة 8 من 26

والصورة الحركية في الآية قائمة على عنصر التشبيه"متناسبًا بذلك مع طبيعة الخوف المرضي الذي يغلف سلوك المنافقين" [1] ، والحركة الدائرية قابعة في حيّز الفعل المضارع (تدور) الدالّ على التجدد والاستمرار واستحضار الصورة بكل ملامحها وخطوطها.

وجمالية الصورة هنا لا تستفاد من رصد الحركة الدائرية فحسب، وإنّما من اقترانها بالحركة الداخلية لرسم المشاعر الباطنية والملامح الظاهرية على حدّ سواء من أجل تعميق ظاهرة الخوف الذي طُبِع عليه المنافقون، وفي الآية لون من الصورة خاص يمكن تسميته في لغة النقد المعاصر بـ (الصورة المزدوجة) ، وذلك أنّ"دوران العين هي صورة رمزية، والغشية صورة تشبيهية، فقد شبّه حالة الخوف بالموت، بمعنى شبه صورة بصورة أخرى" [2] ، وهذا أشبه بما يُدعى في فن السينما باللقطة المزدوجة ( Double Exposure) ومفادها"طبعُ لقطة فوق أخرى" [3] ، والتعبير القرآني يوظّف هذا الضرب من التصوير في حال تعميق مغزى الظاهرة التي يتحدّث عنها.

وتلوح لنا الحركة التي تعتمد على العنصر الصوري في عرضها حينما نتلو قوله تعالى في شأن الكفار: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِيْنَ - كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ - فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [4] .

يصوّر النص القرآني معنى الإعراض عن الدعوة والنفور من الرسالة السماوية في حركة حمر الوحش التي تفرّ مذعورةً على غير هدىً، وتسرع في عَدْوها إذا أحسّت بأسدٍ يجري خلفها ويريد ملاحقتها، ووصفُ الحمرُ بـ (مستنفرة) دون (نافرة) يدلّ على شدة حركة النفار، و"كأنّها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له وحملها عليه" [5] ، والصورة تترك في الذهن شعورًا بالجمال الذي"يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة، تشرد فيه الحُمُر يتبعها قسورة المرهوب" [6] ، وذلك بجانب ما تثيره الصورة من السخرية من غباء الكفار الذين يهيمون على وجوههم، لا لأنّهم مهدّدون، بل لأنّ مذكِّرًا يذكّرهم بربّهم ويدعوهم إليه.

إنّ الصورة حافلةٌ بالحركة الدؤوبة التي يستمدها الخيال من منظر حمر الوحش في الطبيعة، إذ تهرب من أسد هصور أشد الهروب، وكأنّها تستزيد وتستحثّ على الهرب، والسرعة المرسومة هي المقصودة في الصورة، ذلك أنّها تعكس الإعراض النفسي والتنصّل الداخلي من الدعوة إلى الإيمان، ولعلّ جمالية الصورة تأتي أيضًا من كون الحُمر قطيعًا كُثُرًا في مقابل أسدٍ واحد يطاردهم جميعًا، والقارئ يتملّى منظر ملاحقة الوحيد القوي الذي يطوي خطاه وراء القطيع الضعيف، وصيغة الطلب في الاستنفار توحي بأنّهم من شدة الخوف يتسابق بعضهم بعضًا في الفرار من سطوة الأسد المخيف.

(1) دراسات فنية في سور القرآن (الأنترنت) : دون ترقيم الصفحة.

(2) م. ن: دون ترقيم الصفحة.

(3) السينما آلة وفن: 16.

(4) سورة المدثر، الآيات: 49ـ 51.

(5) الكشاف: 1159.

(6) التصوير الفني في القرآن: 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت