الصفحة 7 من 26

حصول الصوت منه [1] ، فضلًا عن أنّ جرس الفعل يصوّر المعنى ويلقي ظلّ الشدة والعنف والقضاء الحاسم، وتتبع حركةَ السقوط حركتا (الخطف والهوي) إبرازًا لحقيقة الضياع والتلاشي في صورة محسوسة، فالأفعال الثلاثة (خرّ، تخطفه، تهوي) بدلالاتها وتعاقبها تقوم بتصوير الحركات المتلاحقة مسرعة من نقطة الانطلاق إلى حيث الانتهاء.

وصورة الهوي من السماء الشاهق، ثم الاختفاء والذهاب به إلى مكان مجهول، تماثِلُ ما يسمّى في الفن السينمائي بدائرة الاختفاء ( Iris in) ، وهي"اختفاء تدريجي للمشهد عن طريق دائرة آخذة في الانقباض" [2] ، ولا شكّ في أنّ طولانية الحركة تناسب الانحطاط النفسي الذي ينتهي إليه المشرك نازلًا من أفق الإيمان، فضلًا عن أنّ طبيعة هذه الحركة تبعث على الرعب في النفوس لكي تستجيب للتأثير المطلوب، يقول رتشاردز:"فالحركة من أعلى أو أسفل لها طابع يختلف عن طابع الحركة من اليمين أو اليسار، وهذه بدورها تختلف عن الحركة صوبنا أو بعيدًا عنا، فالمسافة الرأسية لا تبدو مساوية للمسافة الأفقية، وإن كان لها نفس المقاس، ولا يبدو أنّ المسافة بعيدًا عنّا تساوي أيًّا من هاتين المسافتين الأوليين" [3] .

وتأخذ الصورة مدى أوسع حين تكشف الحركة الخارجية المرسومة عن حركة داخلية تغوص في أعماق النفس، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [4] .

يرسم النص القرآني صورة للخوف الذي يطارد نفوس المنافقين حين يُواجهون أمر القتال، إذ تراهم آنذاك ينظرون كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموتِ حذرًا وخورًا ولِواذًا [5] ، فهؤلاء ينظرون إلى النبي (نظرة أجبن القوم وأخذلهم، وقد تجلّى أثر الرعب في دوران أعينهم واضطرابها حذرين من المصائب التي قد تنزل بهم في إحدى الجهات، وإنّما خصَّ النص رصد حركة العينين، لأنّ العين من أدقّ الحواسّ اتصالًا بالنفس وأكثرها إظهارًا لما في القلب، ذلك أن العينين"تقعان في مركز بُؤْري في الجسد، فضلًا عن أنّ إنْسانَ العين يعمل بشكل غير طَوْعي" [6] ، ولقد أضاف القرطبي إلى دلالة الخوف دلالة أخرى لحركة العيون في هذا السياق عندما أشار إلى أنّ دوران الأعين باعثه ذهاب العقل حتى لا يصحّ منهم النظر إلى أيّ جهة [7] .

(1) مفردات ألفاظ القرآن: 277.

(2) السينما آلة وفن: 7.

(3) مبادئ النقد الأدبي:221.

(4) سورة الأحزاب، الآية: 19.

(5) الكشاف: 851.

(7) الجامع لأحكام القرآن: 14/ 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت