في تعبيرها إشاعة الحياة في الجماد، وإفاضة الحركة عند الكائنات" [1] ، وقريب من هذا ما يراه مصطفى ناصف من أن فضيلة الاستعارة قد تُعزى إلى أنها"تنزع إلى إعلاء الحدث على الشيئية المستقرة الجامدة" [2] ."
ويعقد أحد الدارسين مقارنةً طريفة بين حركة بطيئة وردت في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ - فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا والشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ - وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فيِ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - وَهُوَ الذَّي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [3] ، وبين حركة سريعة عنيفة وردت في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيْهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيْلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ - لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ - سُبْحَانَ الّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ - وَآيَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ - والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ - لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الَّيْلُ سَابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ - وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفَلْكِ الْمَشْحُونِ - وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ - وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ} [4] ، يقول هذا الدارس معتمدًا على ذوقه الجمالي الخاص: إنّ الحركة في الآيات الأولى لطيفة وئيدة رتيبة هادئة، ففلق الحبّ والنوى وخروج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ وانفلاق الصبح، كلُّها حركات تتمّ في بطءٍ شديد وفي خفاء مستتر، وإن كان في حركة الفلق شيئ من العنف في لفظها، أما الليل فهو ساكن لا يريم، والشمس والقمر في حسبان، والحسبان حركة رتيبة متتابعة تتمّ في بطء وئيد كذلك، والنجوم تتحرّك لكنها بطِيءُ الخُطى خفيُّها، وحركة النسل في المستقر والمستودع بطيئة مستترة أيضًا، لأنها تتمّ في خفاء عن العيون، في ظلمة الأرحام والأصلاب، أما طبيعة الحركة في الآيات الثانية فهي سريعة حادّة، ففي تفجير العيون حركة عنيفة تصور انحدار الماء من العيون في سرعة واندفاع، والليل ليس ساكنًا هنا كما كان ساكنًا هناك، بل ذو حركة شديدة حين يسلخ منه النهار، وفي السلخ إيحاء بالجهد الحركي العنيف الذي تتطلبه عملية الانفصال، والشمس والقمر ليسا حسبانا هنا كما كانا هناك، بل هما في حركة دائبة، حتى إن كلمة (مستقر) لا تسكّن الحركةَ في الحسّ، وإنما تلقي في النفس ظلّ الشيء المندفع الذي يستقر ـ حين يستقر ـ في شدة وعنف، ثم حركة السباق الهائلة بين الأجرام السماوية، وبين الليل والنهار، في غاية السرعة، وحركة الشحن تلقي في النفس ظلاّ فيه كثير من الشدة والعنف، وتأتي أخيرًا حركة الإغراق العنيفة وتوحي بالتشبث العنيف من جانب المغرَقين، وحركة الإغراق لا تتم في الواقع، لكنها تتم في الخيال [5] ، هكذا يبدو أنّ السياق العام والغرض الديني
(1) أصول البيان العربي: 94 ـ 95، وينظر: خصائص الأسلوب في الشوقيات: 211.
(2) الصورة الأدبية: 150.
(3) سورة الأنعام، الآيات: 95 ـ 98.
(4) سورة يس، الآيات: 34 ـ 43.
(5) منهج الفن الإسلامي: 220 ـ 222.