فهرس الكتاب
والحقيقة أن الاستثناء في هذا الشاهد واضحُ تمام الوضوح، وغير لا تصلح مكان (إلا) هنا على ما أراد الفرّاء، فإن الوهم في هذا جاء من حمل هذا الشاهد الشعري على الآية الكريمة وهي قوله تعالى:"لو كان فيها آلهةُ إلا الله لفسدتا" (الأنبياء/22) ... فكما أن (إلا) هنا بمعنى غير، فكذلك هذا الشاهد عنده.
والحقيقة ليس هذا صحيحًا لأن معنى هذه الآية يَفْسُد مع الاستثناء لانه يثبت الاشراك مع الله سبحانه وتعالى. بل لايوجد فيها استثناء مطلقًا فـ (إلا) بمعنى (غير) الاسمية و ليست أداة استثناء؛ لأن الاستثناء يجوز في الشاهد، اما في الاية فلا يجوز وهذا ما عَبرّ عنه ابن يعيش بقوله:"فهذا لايكون إلا وصفًا ولايجوز أن يكون بدلًا يراد به الاستثناء" [1] .
اما قول اوس بن حجر هذا فمعنى الاستثناء يصح فيه ويستقيم له المعنى بخلاف مالو جعلنا (إلا) بمعنى (غير) فمعناه يختلف عن معنى الاية الكريمة تمامًا.
نصب غير على معنى الإستثناء
قال الفرّاء:"وبعض بني أَسَد وقُضاعة إذا كانت (غير) في معنى (إلا) نصبوها، تمَّ الكلامُ قبلها أو لم يتم، فيقولون ماجاء في غَيَرك، وما أتاني غيرَك" [2] ، واستشهد بقول الشاعر [3] :
لم يمنع الشربَ منها غير أن هتفت حمامةُ من سَحُوفٍ ذاتِ أو قال [4]
فقال الفرّاء:"فهذا نصب وله الفعل والكلام ناقص" [5] .
(1) شرح المفصل: 2/ 89.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 383.
(3) كتاب سيبويه: 1/ 369، الخزانة: 2/ 45، شرح المفصل: 3/ 80، وهو لابي قيس بن الأسلت في ديوانه: 85، ونُسب أيضًا لابي قيس بن رفاعة في شرح ابيات سيبويه: 2/ 180، وشرح شواهد المغني: 1/ 158.
(4) سسحوق: يريد شجرة سحوقًا، أي طويلة، والأوقال: الأعالي، يصف تلك الناقة بأنها فزعت حينما سمعت صوت الحمامة فنفرت وكفت عن الشربـ ويروى (في غضون) مكان (من سحوق) ، و (نطقت) مكان (هتفت) ، ظ: مجاز القرآن لابي عبيدة: 2/ 93.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 383.