الصفحة 186 من 406

"يريد كاسف الشمس فهذان وجهان" [1] أي أن هذا على حذف المضاف اليه؛ لغرض الايجاز في الكلام. ثم قال:"وإن نويت أن تجعل (عاصف) من نعت الريح خاصَّة فلما جاء بعد اليوم أتبعته إعراب اليوم وذلك من كلام العرب أن يُتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه" [2] ومن هذا عنده قول الشاعر [3] :

كأنّما ضربت قدّام أعينها قُطْنا بمستحصد الأوتار محلوج [4]

فقد خفض الشاعر (محلوجَ) لأنه أتبعه للأوتار وهي مخفوضة، وكان حقه النصب؛ لأنه نعتُ للقطن والقطن منصوب، وهذا الخفض عند الفرّاء يكون بسبب المشابهة من جهة المعنى، لإن القطن لذي تحصده الأوتار يسمى (محلوجًا) فالمحلوج هو مستحصد الاوتار من القطن فلما كان معنى (مستحصد الاوتار) مشابهًا لمعنى (محلوج) أو يكاد يكون هو كان ذلك جائزًا.

ومن ذلك أيضًا، قول ذي الرمة [5] :

تُريك سُنَّه وجه غير مُقرفةٍ مَلْسَاء ليس بها خال وَلاَنَدَبُ [6]

فقد خفض الشاعر (غيرِ مقرفةٍ) إتباعًا للمجرور قبلها، وكان عليه أن ينصب (غير) لأنها صفة لـ (سُنَّة) المنصوبة على المفعول به.

إلا أن هذا الشاهد يختلف عن الذي قبله، لأن النعت هنا لايقتصر على المنعوت وحده، بخلاف ماجاء في الشاهد السابق. فقال فيه"قلت لأبي ثَرْوان وقد أنشدني هذا البيت بخفضٍ: كيفَ تقول: ترُيك سُنَّة وجه غيرَ مقرفة؟ قال: تريك سنّة وجه غَيْرَ مقرفة. قلت له: فأنشِد فخفض (غير) فأعدت القولَ عليه فقال: الذي تقول أنت أجود مما أقول أنا، وكان إنشاده على الخفض" [7] .

(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 73 - 74.

(2) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 74.

(3) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 74، ولم يُنسب الى قائله، ظ: الانصاف: 2/ 605، ومعجم شواهد العربية: 1/ 79.

(4) مستحصد: اذا احكم فتله وصنعته، وقالوا: هذا رجل محصد الرأي أي سديد الرأي محكمه ورأي مستحصد، أي محكم وثيق، وهذا بفتح الصاد، محلوج: اسم مفعول: أي مندوف قد استخرج منه الحب.

(5) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 74، ديوانه: 1/ 29، وروايته بنصب (غير) .

(6) السّنه: الصورة، المقرفة: التي دنت من الهجنة وهي عيب، والندب الأثر من الجراح.

(7) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت