فهرس الكتاب
ومعنى هذا أن العرب تأتي بالنعت مرةً مباشرةً بعد المنعوت، وتأتي به بعد الواو مرة أخرى أيضًا، ولا يراد منه غير النعت فلا يصح جعله معطوفًا عليه؛ لأن معنى العطف هو الجمع بين شيئين مختلفين أو غير مختلفين، أما النعت فهوة وصف للمنعوت وهو كالجزء منه، ولذلك يجب عده نعتًا وإن جاء بعد الواو، ومن ذلك قراءة عبد الله عند الفرّاء، ومن هذا أيضًا قول الشاعر [1] :
فإنَّ رُشيدًا وابنَ مرْوان لم يكن ليفعل حتّى يُصدر الأمرَ مُصْدَرا
فـ (رشيدا) هو (ابن مروان) نفسه، فـ (ابن مروان) نعت له هنا، وهذا بدليل اعادة ضمير الفاعل المستتر في قوله (ليفعل) في صورة المفرد، فلو كان رشيدُ شخصًا آخر غير ابن مروان، لقال (ليفعلا) وكذلك الحال، لو قصد بالواو العطف، فدلَّ هذا على أن الواو في هذا البيت ليست عاطفة بل هي زائدة، والاسم بعدها نعتُ لما قبله؛ (لأن النعت يفيد تخصيص متبوعه أو توضيحه أو مدحه أو ذمه أو تأكيده أو الترحم عليه" [2] ."
ومن الأحكام التي تجري على النعت هو أن يطابق النعتُ منعوتَه في حركة الإعراب؛ إذ يعرب بإعرابه، في الرفع والنصب والجر [3] ، ولكن الفرّاء، أجاز أن يكون النعت تابعًا في إعرابه لما يتصل بالمنعوت كالظرف وغيره من الاسماء أيضًا، وإن اختلف هذا الاسم أو الظرف في إعرابه عن المنعوت.
ومن هذا قوله تعالى:"مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ" (ابراهيم/18) . فقال الفرّاء: (فجعل العصوف تابعًا لليوم في إعرابه، وإنما العصوف للريح. وذلك جائزُ على جهتين إحداهما أن العصوف، وإن كان للريح فإن اليوم يوصف به؛ لأن الريح فيه تكون، فجاز أن نقول يوم عاصف كما نقول: يوم بارد ويوم حار، ... والوجه الآخر أن يريد في يوم عاصِفِ الريح فتحذف الريح لأنها قد ذكرت في أول الكلام كما قال الشاعر:
فيضحكُ عرفانَ الدروع جلوُدنا 'ذا جاء يوم مظلمُ الشمس كاسفُ
(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 345، ولم يُنسب الى قائله.
(2) شرح شذور الذهب: 432.
(3) ظ: أوضح المسالك: 3/ 5.