الصفحة 204 من 406

ولا أرى الفرّاء مصيبًا في هذا، فالمعنى في الآيات القرآنية وفي الشواهد الشعرية لا ينقطع فيه ماقبل (أو) عن مابعدها، فهو قد جاء في سياق واحد، ولولا هذا الربط لما فهمنا المعنى في هذه الشواهد بتاتًا. إلاّ إذا كان قصد الفرّاء بالإنقطاع هو أن معنى ما قبل (أو) يختلف عما بعدها، فبسبب هذا الاختلاف نصبت (أو) الفعل بعدها، وهذا متأتٍ من المعنى نفسه الذي يخص ماقبلها وما بعدها وليس من (أو) ، وعلى الرغم من هذا الاختلاف فهما مرتبطان ببعضهما لأنهما في سياق واحد وحالة واحدة تبين المراد منهما معًا.

نصب الفعل المضارع بعد (حتى)

قال الفرّاء:"فأما الفعل الذي يتطاول وهو ماضٍ فقولك: جَعَل فلان يديم النظر حتى يعرفك؛ ألا ترى أن إدامة النظر تطول، فإذا طال ما قَبْل حتّى ذُهب بما بعدها الى"

النصب إن كان ماضيًا بتطاوله" [1] . فمن ذلك عنده قول إمرئ القيس [2] :"

مَطوتُ بهم حتَّى تَكِلّ غُزاتهم ... وحتى الجيادُ ما يْقَدْنَ بأرسانِ [3]

فقال:"فنصب (تكِلّ) والفعل الذي أداه قبل حتّى ماض؛ لأنَّ المَطوْ بالإبل يتطاول حتى تكل عنه. ويدلك على أنه ماض أنك تقول: مطوت بهم حتى كلّت غُزاتهم. فَبِحُسْن فَعَل مكان يفعل تعرف الماضي من المستقبل ولا يحسن مكان المستقبل فَعَل؛ ألا ترى أنك لا تقول: أضرب زيدًا حتى أقَرَّ، لأنك تريد: حتى يكون ذلك منه" [4] .

ومعنى كلام الفرّاء هذا أن (حتى) تنصب للفعل المضارع، إذا كان ماقبلها فعلُ ماض قريب الوقوع من الزمن الحاضر؛ وذلك بأن يكون هذا الفعل مما يمتد الى الوقت الحاضر أو الى زمن التكلم أو الى ما يقرب منهما، وكان بعدها الفعل المضارع الذي يدل

(1) معاني القرآن: 1/ 133.

(2) معاني القرآن: 1/ 133، ديوانه: 93.

(3) المطو: الجدّة والنجاء في السير، والغزاة جمع غازي والرواية في ديوانه: حتى، (حتى تكلّ مطيهم) ، وفي اللسان (غزا) (غريهم) بالراء، والغزى الغزاة وأراد بقوله: (مايقدن .. الخ) أن الجياد بلغ بها الاعياء أشده فعجزت عن السير، والارسان: جمع رسن وهو الحبل.

(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت